نعي الثقافة والسياسة في العالم العربي: ويكيليكس آل سعود (1-2)

single


التستّر على وثائق «ويكيليكس» السعوديّة لم يكن حكراً على الإعلام العربي: الإعلام الغربي، والأميركي تحديداً، تواطأ هو الآخر في مشروع خدمة دعاية آل سعود في التقليل من شأن تسريب هذه الوثائق. وكما أن خروقات حقوق الإنسان في دول الخليج لا تحظى بتلك التغطية التي تحظى بها صفعة لمعارض في كوبا، أو حتى كتابة شعارات شيوعيّة على حائط معارض في هافانا، حيث أفردت «نيويورك تايمز» قبل سنوات نحو نصف صفحة لتغطية الحدث الجلل، فإن تسريبات الوثائق الجديدة لم تحرّك المراسلين الغربيّين (والمراسلات) في المنطقة العربيّة. نذكر كيف حظيت تسريبات رسائل إلكترونيّة شخصيّة من بشّار الأسد بتغطية عالميّة واعتُبرت المراسلات الشخصيّة بأنها فتح في الحرب الدعائيّة ضد النظام السوري.
أما وثائق تتعلّق بسياسات وحروب النظام السعودي في المنطقة العربيّة فهي غير ذات أهميّة. كانت معظم الردود من نوع: لم تأتِ بجديد، كما كتب مراسل «نيويورك تايمز» في بيروت، بن هبرد. أما الزميل مارك لينش من جامعة جورج واشنطن فقد خالف الانطباع العام في مقالة في «واشنطن بوست» وأقرّ بأن الوثائق هذه سيكون لها تأثير كما كان للوثائق الأميركيّة في ويكيليكس من حيث «تخفيض القدرة على النفاق»، كما قال هنري فريل ومارثا فنمور، لكن لينش قال إن الحكومة السعوديّة على حق عندما شكّكت بصحّة بعض الوثائق مع أنه لم يسبق أن نشرت «ويكليكس» أية وثيقة ثبتَ تزويرُها. إن توثيق السيطرة السعوديّة الأخطبوطيّة على الإعلام العربي حول العالم يعزّز من الشكوك التي اعترت الرأي العام العربي والإسلامي لعقود طويلة حول شراء الكتّاب والضمائر والفقهاء والساسة حول العالم أجمع.
لكن صمت الإعلام العربي كان مدويّاً. الأوامر كانت صارمة: التجاهل التام في المطبوعات السعوديّة والحريريّة (جريدة آل الحريري، «المستقبل» نشرت في اليوم التالي مقالة طويلة عن جوليان أسانغ و«ويكليكس» لكن من دون الإشارة إلى الوثائق السعوديّة، أما «السفير» فهي أيضاً لم تتطرّق بكلمة - حتى الآن على الأقل - إلى الوثائق). قد يكون جهاد الخازن هو الوحيد الذي ردّ على تسريب الوثائق على طريقته قبل أيّام عندما كتبَ: «أنا أعمل في جريدة تتمتّع بأوسع نسبة حريّة صحافيّة في العالم العربي كلّه»، والناشر (أي خالد بن سلطان) يحمي هذه الحريّة». فات الخازن تلك الوثيقة من حزمة التقارير السعوديّة الذي نشرها موقع «ويكليكس» والتي تضمنّت محضراً لـ «لجنة تنسيق الإعلام التابعة للحكومة السعودية («فرع الإعلام الخارجي») والتي تحدّثت عن «الشرق الأوسط» و«الحياة» كـ«أدوات إعلاميّة» للنظام السعودي. أما الإعلام اللبناني فقد اختلف بين الإعلام الموالي لآل سعود (الذي التزم الصمت المطبق) وبين الإعلام الموالي للنظام القطري (الذي نشر أخباراً عامّة عن الوثائق، لكن من دون إحراج نفسه أو حليفه). الصمت كان سيّد الموقف باستثناء قلّة. أما على مواقع التواصل الاجتماعي فقد وجد أنصار 14 آذار ضالتهم في وثيقة يطلب فيها نعيم قاسم تأشيرة حج لشقيقه. وأصبحت هذه الوثيقة كأنها الوثيقة الوحيدة الدامغة والمُدينة بين كل وثائق «ويكليكس»، أو أنها غطّت على باقي الوثائق. لكن ما هي الفضيحة في أن يطلب نعيم قاسم مجرّد تأشيرة حج لشقيقه؟ هل أن حزب الله مُطالب مثلاً بالسعي لنقل الكعبة إلى النجف أو إلى الضاحية الجنوبيّة كي لا يمرّ الحج عبر آل سعود؟ ولماذا تصبح هذه الوثيقة أهم من تلك الوثائق التي طلب فيها ساسة وإعلاميّون مالاً مقابل طاعة واعتناق مواقف بالأجرة، أو مقابل محطة تلفزيونيّة تضخّ كراهية ضد الشيعة، كما في حالة مصطفى بكري في مصر - والرجل تحوّل إلى وليد جنبلاط مصر في تقلّباته وبهلوانيّاته وانعدام مبدئيّته.


*توثيق لفساد سعودي*


ليس صحيحاً أن الوثائق لم تأتِ بجديد (ولم يُنشر منها إلا النزر اليسير بانتظار الإفراج عن المزيد منها قريباً)، إلا إذا لم يكن هناك بجديد في توثيق فساد سعودي يشمل كل دول العالم. إن أهميّة هذه الوثائق تتبدّى على أكثر من صعيد:
أوّلاً، تكمن أهميّة هذه الوثائق في كشف طبيعة عمل أجهزة الحكم السعوديّة حيث تختلط الإدارات وتشتبك: لا يبدو أن هناك فواصل بين أجهزة المخابرات وبين وزارتيْ الداخليّة والخارجيّة. ويُلاحظ ان نظام التدقيق المالي لا يسري إلا على العامّة لا على العائلة المالكة. تنفق العائلة المليارات من دون حساب لكن طلب شراء تأثيث مكتب في السفارة يحتاج إلى موافقة عليا قد تصل الى الملك نفسه.
ثانياً، كشفت الوثائق عن ضعف عمل وزارة الخارجيّة السعوديّة حيث لا تعتمد تقارير السفراء على التحليل السياسي، كما هي الحال في التقارير الدبلوماسيّة حول العالم، بل على الإشاعات و»الخبريّات» والنميمة على أنواعها وأقوال المخبرين. وكما لاحظ الزميل حسن علّيق، أن التقارير الأميركيّة كانت ذات مستوى أرفع لغويّاً وبيروقراطيّاً من الوثائق السعوديّة. إن مستوى عمل الدبلوماسيّة السعوديّة على مدى أكثر من 40 سنة بقيادة سعود الفيصل لا تزال كما كانت على أيّام والده: موغلة في الشخصانيّة والشؤون العائليّة والفضائحيّة والذمّ. ليس من مصلحة حكم العائلة تطوير جهاز دولة مدني عام. تفتقر التقارير إلى معلومات أو آراء خاصّة بالسفير المعني.
ثالثاً، يتضح أن ليس للنظام السعودي ما يعطيه إلا المال، أو النفوذ السياسي، كما في حالة الميسورين من أمثال روجيه إدّه أو نجيب ميقاتي أو محمد الصفدي. لكن حتى في حالة هؤلاء، فإن لكل الأثرياء العرب مصالح ماليّة في دول الخليج، وهي تحرص على تلك المصالح حرص جورج حبش على تراب فلسطين. ليس للنظام السعودي نفوذ أخلاقي أو حتى ديني - بحكم مضغ لقب «خدمة الحرميْن».
رابعاً، كشفت الوثائق الكثير عن حقيقة الإعلام والسياسة في العالم العربي. يمكن التعميم أن الوثائق تصلح لرثاء السياسة والإعلام في العالم العربي. لا يريد النظام السعودي ان يكون هناك تعدّد إعلامي عربي، ليس فقط في العالم العربي وإنما في العالم أجمع. ما معنى مثلاً ان يموّل النظام السعودي مطبوعات ومجلاّت كنديّة يُوزّع بعضها مجّاناً في دكاكين البقالة العربيّة في المدن الكنديّة الكبرى؟ كشفت الوثائق عن معضلة كبيرة حول ان النظام السعودي لا يملك «قوّة ناعمة» إطلاقاً: ليس لديه ما يقدّمه إلا المال (والحروب العلنية بعد أن كان يعمل في الحروب السريّة). لا يأتي أحد ويتقدّم بطلب النصح أو الإرشاد أو الأفكار من آل سعود (ربّما باستثناء وليد جنبلاط). الكل يطالب بالمال، والمال فقط. وحرص النظام السعودي على السيطرة عبر الاشتراكات أو التمويل المباشر على المطبوعات العربيّة في كل أرجاء الكون يدلّ على مأزق كبير: ان النظام السعودي يعلم ان التعبير العربي الحرّ لا يمكن ان يتماشى مع سياسات وعقيدة آل سعود، لهذا فإنه يحرص على نشر المال بين كل تلك المطبوعات وتصنيفها كلّها على أساس الموقف من الحكم السعودي.
ظهر في تصنيفات تقارير السفارة أن ليس هناك من معايير سياسيّة تتعلّق بالمواقف الكبرى، مثل قضيّة فلسطين أو حتى الموقف من الدين الذي لم يتاجر به أكثر من آل سعود، بل أن المعيار المحض هو الموقف من الحكم السعودي. وعليه، فإن كلمة ليبرالي بدت كما هي عارية في تقرير السفير السعودي في لبنان الذي قال عن كاتب في جريدة «السفير» إنه «شيعي ليبرالي» وأنه «يبدي ودّاً نحو المملكة». أي ان الحكم السعودي يعي تعريفات المصطلحات السعوديّة العربيّة، وأن الليبراليّة لا تعني في الثقافة العربيّة إلا «الودّ» نحو النظام السعودي. هذا التمويل الأخطبوطي العالمي يؤشّر على منع آل سعود لإمكانيّة بروز إعلام معارض في العالم العربي. كان العالم العربي ينقسم في تاريخ المعاصر إلى محاور متعدّدة، وكانت أنظمة متعدّدة ومتصارعة تتقاسم النفوذ الإعلامي، وكان النظام السوري يفرض بالقوّة طاعته في إعلام بيروت (ومن دون تمويل وإن كانت أتاحت فرص تجاريّة للأقربين). كان هناك فرصة للمناورة أو التنقّل في وسائل الإعلام، أما الآن فهناك سيطرة واحدة خصوصاً إثر زوال الخلاف بين النظاميْن السعودي والقطري. والحملة السعوديّة على ما تبقّى من إعلام غير موال لآل سعود يهدف إلى فرض ما يسود في المملكة (من رأي واحد) على مجمل الدول العربيّة.
بمعنى من المعاني، كشفت الوثائق الجديدة - أو هي أثبتت - أن لا إعلام في العالم العربي، وتوحّد قيادة النظام العربي الرسمي برمّته بيد آل سعود نفى إمكانيّة صعود إعلام، ولا حتى في الدول التي تتمتّع بهامش من الحريّات ينعدم في معظم الدول العربيّة. وبدلاً من إتاحة المجال امام تعدّد الآراء وإتاحة المجال أمام ما أسماه منظّر الليبراليّة، جون ستيوارت ميل، بـ«سوق الآراء»، فإن آل سعود يتحرّقون من أجل إغلاق أو محاربة الإعلام المعادي لهم، أو حتى الناقد لهم. والصحافي الذي طالب بتمويل إضافي جوبه بالرفض لأنه يلتزم بسياسة مهادنة نحو حزب الله. وينقسم الإعلام العربي وفق التصنيف السعودي إلى الإعلام «الموالي» والإعلام المُحيّد (بالمال) - أي الذي يتجنّب نقد المملكة، والإعلام المعادي الذي تجب محاربته بشتّى الطرق (الإشارة إلى «مجموعة شويري» في واحدة من التقارير حيث كتب سعود الفيصل عن محطة «إل. بي. سي» ما يلي: «قد يكون من المناسب الضغط على القناة إذا تمادت في مواقفها ضد المملكة عبر شركة إعلانات «شويري غروب»، وهي شركة إعلانات لبنانيّة لها مصالح واسعة في المملكة، وتتحكّم بجزء واسع من السوق الإعلانية في لبنان»).
(جريدة الاخبار اللبنانية - يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

أوباما، ملك اسرائيل..!

featured

من الممكن والضروري القيام بهجمة مضادة

featured

الآفات الاجتماعية

featured

نحو تصوّرات جبهوية لمعركة السلطات المحلية 2018

featured

مقاربة مختلفة حول برنامج حكومة التوافق الفلسطيني موضع الخلاف

featured

جنود يشهدون على الجريمة