سألوا فيكتور هيجو نابغة الادب الفرنسي:
"كيف ولدت الحضارة؟" فأجاب: "من دموع المسيح ومن ابتسامة فولتير". ما يعنيه كاتب (البؤساء) ان التسامح والايمان والرحمة تتشكل بها الحضارة اذا ما احطناها بالعلم والفلسفة والسخرية. الغرابة في جواب الكاتب الفرنسي انه يمزج بين فضائل الانبياء واهل اخير افكار من يقارع ويقاوم رجال الدين والدنيا المتحكمين بغير ما يمليه الدين وبغير ما تفرزه قوانين حقوق الانسان. ان زعيم الحركة المادية فولتير العظيم كرّس حياته ناقدا لاذعا ساخرًا مقاوما لرجال السلطة الدينية الذين لم تكن لدموع المسيح مساحة في عيونهم وفسحة في قلوبهم.
ما احوجنا في عصر التمزق هذا الى مزيج من الايمان والرحمة!
ما أحوجنا الى علم ومعرفة يصونان ايماننا بالرأفة!
ما أحوجنا الى أدب ساخر يعرّي عورات الكَذبة والفريسيين من رجال سلطة ورجال دين على حد سواء!..
أدياننا عظيمة لكن الاوثان والانصاب تلوكنا وتنهش حيواتنا.. نخطو بعيدا عن حضارة (دموع المسيح وابتسامات فولتير) لنحترف حضارة عصرية مزيفة تخلو من الايمان والرحمة.
من مقولات فولتير: "كلما عرفتُ الانسانَ اكثر، ازداد حبي للحيوانات".
لقد فتش فولتير عن العدل والرحمة في الناس فلم يجد الا خيبة وضياعا. لقد وجد صاحب القلم الرشيق اللاذع ان الانسان يستطيع بسهولة ان يتخلى عن بشريته بعكس الحيوان الذي لا يملك الا ان يكون حيوانا صائنا لطبيعته وطباعه!..
في ايامنا هذه تتمرد اجسادنا على عقولنا.. غرائزنا ونزواتنا تتصدر سلم اولوياتنا ومنهج حياتنا بحيث تتلاشى من عقولنا افكار بها تتوهج هذه الحياة. مع تلاشي الفكر والمنطق القويم نتحول الى شياطين منافقين ووصوليين نفعيين ومتحيّنين للفرص.. في هذه الحالة نرى المتدين، في دنيانا بلا دين، والعامل بلا عمل، والمفكر بلا فكر، والرجل بلا رجولة!! وهنا تستيقظ فينا محبة فولتير للحيوان حيث يتحول رجال المبادئ الى رجال مصالح لا يتورعون عن كل اشكال الانحراف تحقيقا لمصالحهم ليشكلوا بيئة تنوء بالتسيّب واللامبالاة.. بيئة تنزع عنهم الانسانية لتربضَ مكانها افكار بوهيمية ومسالك وحشية فيفترس الناس بعضهم بعضا وينهض بيننا من يحرق بيوت الله ويرمي بالرصاص جماعات المصلين المسالمين ويطلق كلاما بذيئا للنيل من جلال الانبياء ويرسم رسوما مسيئة للرسل.. هكذا مُنْفَلتون يلطخون حياتنا بعار يقوّض ويحرق حضارة الانسان لتندثر هباء وتنبت مكانها همجية تُكسب مجتمعاتنا اخلاق الحيوان..
