اقرت الكنيست مساء الاثنين الماضي اقتراح قانون منع مقاطعة المستوطنات، وهو احد اخطر القوانين التي اقرت في الكنيست الحالية. تجدر الاشارة الى ان احد زوار الكنيست في هذا اليوم تحديدًا، هو الصحفي "غلان بيك"، احد مقدمي البرامج في شبكة "فوكس نيوز" الامريكيةK المعروفة بتوجهها السياسي اليميني، والذي يعتبر أحد ابرز العنصريين في الولايات المتحدة، فلا تخلو برامجه من ملاحقة ابناء الاقليات والأمريكيين من اصل أفريقي. وقد حظي "بيك" باستقبال مهيب في الكنيست من قبل اعضاء اليمين الذين استضافوه في ندوة اتسمت بالتلوّن والتملق السياسي، وبالفعل فمثل هذا الضيف يليق بالكنيست في يوم اقرار هذا القانون.
ان الحديث عن المقاطعة في اسرائيل ليس وليد الصدفة، وسبق ان أصدر عدد كبير من الحاخامات اليهود فتاوى تنادي بمقاطعة العرب، وخاصة في الفترة الأخيرة، بعدم تأجير البيوت في صفد ومدن اخرى للمواطنين والطلاب العرب، ولكن هذا القانون لا يمنع المقاطعة العنصرية والحملات التحريضية، بل يهدف الى منع مقاطعة المستوطنات المبنية على الأراضي العربية الفلسطينية، ومقاطعتها تختلف عن اي حالة اخرى في العالم، لان هذه المستوطنات تستحوذ صلب النقاش السياسي في البلاد حول انهاء الاحتلال، ومقاطعتها هي وسيلة سياسية شرعية. هذا القانون يمنح هذه المستوطنات حصانة من ادراجها في النقاش السياسي، ويمنع كل من يعارض المستوطنات والاحتلال بالتعبير عن رأيه، وهذا مس صارخ باحد اهم اسس الديمقراطية وهو التعبير عن الرأي.
ان هذا القانون يأتي ضمن حزمة من القوانين التي تفرغ الديمقراطية الاسرائيلية من مضمونها. ومن خلال هذه القوانين تحاول الأغلبية البرلمانية اختزال النقاش السياسي في البلاد، وحكومة نتنياهو تدعم هذا التوجه لانها تريد للنقاش السياسي في اسرائيل عامة، وفي الكنيست خاصة، ان يتمحور فقط حول المواضيع الاستهلاكية كحملة مقاطعة "الكوتيج" وأسعار الحليب، وهي مواضيع مهمة، لكن هذه القوانين وهذه الأجواء العنصرية تمكن الحكومة من حجب العلاقة بين استمرار الاحتلال والاستيطان وبين الوضع الاقتصادي في البلاد، وتغييب النقاش والربط بين القضايا السياسية والاقتصادية، كأنه لا توجد اي علاقة بين الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي. رغم ان الحقائق المثبتة تظهر ان الاحتلال هو سبب كل موبقات المجتمع الاسرائيلي.
رئيس الائتلاف الحكومي المبادر لهذا القانون، زئيف الكين، ادعى من اجل اقناع اعضاء الكنيست بدعم القانون، ان هنالك قانون مشابه في الولايات المتحدة. هذا تشويه للحقيقة، لان القانون في الولايات المتحدة يتحدث عن منع مقاطعة اسرائيل كدولة من قبل دول اخرى، الا اذا تم اقرار هذا الأمر في الامم المتحدة، وليس منع الافراد من مقاطعة منتوجات من شركات معينة، وفي هذه الحالة المستوطنات. هذا النهج ليس غريبًا عن هذه الحكومة التي تحاول قلب الحقائق والاستعانة بأنصافها لتسيير سياستها العنصرية.
هذا القانون لا يفرق بين شطري حدود عام 1967، بين دولة اسرائيل والمناطق الفلسطينية المحتلة، والغريب ان رئيس الحكومة وكل اعضائها يتهمون العالم العربي والشعب الفلسطيني بانهم لا يفرقون بين مناطق 48 ومناطق 67 وان القضية ليست خلافًا على الحدود، انما على وجود دولة اسرائيل. وما يطرحه هذا القانون بالفعل يختزل الاختلاف بين شطري حدود 67، ويرمز الى التطلعات الحقيقية لهذه الحكومة، التي ترفض التعامل مع المناطق المحتلة على أنها محتلة، وتتجاهل ابناء الشعب الفلسطيني في هذه المناطق.
هذا القانون يحمل بطياته محاولة لالغاء وسيلة احتجاج غير عنيفة وشرعية، والسؤال الذي يُسأل بعد موجة القوانين العنصرية، ما هي وسائل الاحتجاج الديمقراطية التي تبقت للمواطنين في البلاد ليعبروا عن مواقفهم السياسية والمبدئية، وهل القصد من هذه القوانين هو اخراس اصوات المواطنين او دفعهم لاتخاذ سبل نضال اخرى؟!!
هذا القانون هو عبارة عن ارهاب تجاري، يهدف الى ارغام المواطنين على شراء سلع معينة، وما يثير الدهشة ان مقترحيه من خريجي مدرسة السوق الحرة التي تتيح للمواطنين حرية الاختيار في التعامل والشراء او مقاطعة ما يشائون.
اما بالنسبة للادعاء بان حملات المقاطعة على منتوجات المستوطنات تضر بالعمال الفلسطينيين في المناطق الصناعية في المستوطنات، فهذا ادعاء واهٍ، كأن مقترحو القانون يهمهم امر العامل الفلسطيني، فاذا كان كذلك فعلا، فليتكرموا بتطبيق قوانين حقوق العمال في هذه المناطق، لأن قوانين العمل المطبقة في اسرائيل غير سارية في المناطق الصناعية الاسرائيلية في المناطق المحتلة. فمن يهمه فعلا امر العمال الفلسطينيين، فلينسحب من هذه المناطق وليقلع مستوطناته وليعد ما سرقه من اراضٍ وخيرات من هذا الشعب، ولو خُيّر هؤلاء العمال بين مكان عملهم وبين بقاء الاحتلال والاستيطان لاختاروا زوال الاحتلال وتنازلوا عن اماكن عملهم بدون تردد.
أعضاء الليكود الذين يشتكون دائما من الشعار السياسي الذي طرحه قيادة حزب "مباي" مع قيام دولة اسرائيل "حكومة بدون حيروت والحزب الشيوعي"، بعد اقرارهم هذا القانون لا يمكنهم ان يشتكوا من هذا الشعار، لانهم يستعملون نفس السياسة.
السلطة الفلسطينية وبكل فخر تخالف هذا القانون، لانها اطلقت حملة لمقاطعة المستوطنات، واشترطت على المقاولين الاسرائيليين الذين حظوا بمناقصات البناء لمدينة "روابي" بعدم التعامل مع المستوطنات. الغريب انه وفق هذا القانون سيكون من الممكن تقديم دعوى قضائية ضد السلطة الفلسطينية وضد كل شخص او دولة في العالم بسبب مقاطعة المستوطنات، والاكثر غرابة ان هذه الحكومة التي تقر هذا القانون الرخيص تصرخ ليلا نهارًا وتناشد العالم بمقاطعة ايران!
ان النقاش على وجود وشرعية المستوطنات ليس نقاشًا داخليًا اسرائيليًا، لان هناك شعب قابع تحت الاحتلال الاسرائيلي، وصوته يجب ان يُسمع، لان هذه المصانع والمناطق الصناعية في المستوطنات اقيمت على ارضه وعلى حسابه، وله كل الحق في ان يناضل من اجل اقتلاع هذا الاحتلال وكل موبقاته واولها المستوطنات.
قبل عدة ايام احتفلت دولة جنوب السودان باستقلالها، وهذا الاستقلال تم في اعقاب استفتاء عام، اشترك فيه سكان جنوب السودان، ولكن هنا تسير الامور بشكل عكسي تمامًا، حيث يريد حكام اسرائيل ان يقرر مواطنو اسرائيل مصير المناطق المحتلة عام 67 ، ويقترحون اقتراح قانون لاجراء استفتاء بين سكان اسرائيل حول مصير المناطق الفلسطينية والسورية المحتلة دون اعتبار الشعوب الواقعة تحت هذا الاحتلال، كأنها ليست صاحبة الشأن.
هذا القانون هو قانون مكارثي غير ديمقراطي لا يختلف عن قوانين الابرتهايد وبالامكان تسميته انه قانون مكارثي بحلة اسرائيلية.
خطاب النائب سويد ضد قانون منع مقاطعة المستوطنات
*ئيس كتلة الجبهة البرلمانية
