قامات عالية... زمن قزم

single

ارتجفت قبضة أبو حسين القابضة على حبة البرتقال وهو يقدمها للرجل العاشر أو أكثر لا يذكر، فهو يصر يوميا على اطعام مسكين واحد على الاقل في يوم ذي مسغبة لانه ذاق على جلده، انتفض معلنا كراهيته وحقده على هكذا حال جوع وظلم ومهانة.
باستمرار يستند "أبو حسين" الى حتمية طلوع الشمس وسقوط جلاد الليل وتفتته تحت الاشعة الساطعة لان الظالم هو جسد بلا روح... ولا جهاز هضمي فهو بدن بائد سبب استمراره في الحياة غذاؤه على دماء الرجال المعافين الاصحاء..
انتقم منهم الجلاد فزرع فيهم الامراض واعتبر الامر سيطرة القوي على المسجون... فسمت ارواحهم..
دمعت عينا "أبو حسين"... تمتم بثقة: أنت يا صديقي من تحيا ... أنت من تنتعش... نعم انت الحي يا صديقي الصائم قسرا في غير رمضان...
كلهم اصدقاؤه وأحباؤه رغم عدم معرفته الكاملة بهم فهم من الجيل الجديد... والسجون هنا تخرج مائة ليدخل بدلا عنهم ألف... فوج يسلم لفوج... يدخل الجديد ذلك المدفن المسمى السجن...
حين خرج "أبو حسين" ورفاقه كان كمن بعث حيا... تهفو روحه الى استنشاق الهواء وأمنيته الاستراحة في فردوس بيت ولو بغرفة واحدة وحمام...
استغربت زوجته ومن حوله طلبات الطعام البسيطة التي اشتهاها...
لم يطلب الولائم انما الاشياء البسيطة منقوشة بالزعتر، كباية شاي، في الصباح مع زقلوطة لبنة وزيتون أسود... فكر بغيرك وأنت تأكل... وأنت تشرب الماء البارد في زجاجة شفافة من ثلاجتك... فكر وأنت تكرع المياه الغازية وراء وجبتك مدعيا أنها تحسن الهضم!! فكر وأنت تأكل الاصناف الساخنة وتفتعل النقاش مع زوجتك محتجا على زيادة الفلفل الاسمر أو نقص القرفة!! لا تنس ان هناك المئات لم يشموا هذه الرائحة... على الأقل رائحة البهارات ... منذ كذا وقت!!
جلس "أبو حسين"، نظر الى عناوين الصحف أمامه... بكى أجل أجل يا رفاقي يا سقف العالم أيتها القامات العالية الشاهدة على هذا العصر القزم أفكر فيكم... كلنا نفكر فيكم وأنه لأضعف الايمان أما أقواه فهو مشاطرتكم المشوار لنصنع معا صباح الحرية والوطن ... صباح العزة والكرامة...
اعتادوا العتمة وسوء الغذاء والحبس الانفرادي بدافع الصراع مع واقع رديء، أرادوا التغلب عليه حتى لا يقتلهم، فالظلم ان لم تقتله قتلك،هكذا رفعوا شعارهم الموحد فلم يخضعوا لطرق ازميل السجان الذي حاول نحتهم من جديد ... فبدأ هذا السجان بمحاولة محو بريق الأعين علهم ينكسرون... وكانت النتيجة بعد لأي أن ألسجان بكى يائسا وقدحت أعين السجناء شررا ثم تلا الشرر رعد صرخاتهم الغاضبة... فزعم السجان أنه لا يجيد النحت بعد فهو يجيد الهدم والتكسير والهوس للحالات المدعية والصلبة! أما تشكيل الصورة المطلوبة للهياكل الجديدة فهذا أمر عسير التنفيذ...  فرمى السجان الازميل يائسا من نحت تماثيل خانعة منكسرة...
نفرت الأجساد الأخرى في أقفاصها وهتفت الحناجر: أيها الأصدقاء نجوع يوما... ثم يومين ثم شهرين، سنموت ونحيا ونموت ونحيا الى ان ينكسر هذا القفص فنفارقه لندون احزاننا وقصصنا على جبين التاريخ... .ولقد ضاقت المسافات فاتسعت العيون غير القادرة على النوم وتوقف الزمن على الشفاه المتخشبة غير القادرة على الكلام... وبدأ الطريق الطويل نحو الموت المنتظر في محطة ما!! لكن الموت انتظر طويلا وزهق وراح يبحث عن صيد وفرائس جديدة خائفة! وانتهى الاضراب عن الطعام وفقع السجان ثانية بانتصار سكان الأقفاص كان النصر مدويا، دعس على رقبة أكبر سجان وجاءت صفقة تبادل الأسرى... كان ذلك منذ زمن ولم تكن الأخيرة... وخرج "أبو حسين" ورفاقه في عرس وطني...
خرج "أبو حسين" مشتاقا للزيت والخبز الطري... ليس من باب الرفاهية بل من شدة الحرمان الذي عاناه ايام السجن والأكل البائس الفاسد... فكيف بأيام الاضراب القاحلة...
فكر بغيرك... أي نعم... أي نعم... .يكررها "أبو حسين" يوميا في أثناء الليل وأطراف النهار، يحيي رفاقه ظهرا ومساء... خذوا دمي، خذوا بعض ضحكاتي الساخرة... خذوا نظرات الاحتقار واقذفوها في وجه سجانيكم الذين يعانون حصادتكم في اقفاصكم...
لكن السجان لم يرتدع بعد... قال ووصف: سأنحت واحدا جديدا يأكل ويشرب ويغني للسجن ويبوس يدي تائبا، لم يسمع الجياع التحدي الوقح... تجمعوا حول بعضهم البعض فارتفعت الهامات بالأمعاء الخاوية... وغنوا رغم الدوار والدوخة... وكرروا الغناء... فبكى الازميل في يد السجان وسقط وتوارى وصاح من مخبئه: لن أدق تمثالي الا في اللحظة المتوهجة تحت أشعة الشمس الداخلة الى هذا المكان...
سمعته النافذة الضيقه فبكت لقصر ذات يدها وعدم تمكنها من ادخال النور اليهم في اقفاصهم وظلمتهم...
وأقسمت الشمس ان لا توجه اشعتها الى وجه الفنان القذرة فنونه... يراه من يراه علهم يهتدون الى جميع افراد شبكة لصوص الحرية ... .السارق تلو الآخر... .  

قد يهمّكم أيضا..
featured

طريقنا الثابت والمنتصر، طريق الهامة المرفوعة في وجه الظالم

featured

مجد الكروم.. الذكرى الخامسة والثلاثون لهبّة 8-11-1977

featured

إنه التجهيل وليس "الاختلاط"!

featured

من مجنون فلسطين الى ترامب اللعين

featured

البرلمان في خدمة الاستيطان

featured

رسالة إلى أسيل في يوم ميلاده..

featured

لقاء موسكو: مخاطر وفرص!

featured

نعيق غراب البين!