مجد الكروم.. الذكرى الخامسة والثلاثون لهبّة 8-11-1977

single

الشهيد احمد المصري - الرصاص الغادر مزّق قلبه الثائر على همجية السياسة الإسرائيلية

 

 

*تشرين يحزنني، في تشرين ولد شهيد المسكن الاول، المرحوم أحمد المصري. لقد منع أهل بلدي هدم عشرات البيوت، حموا الحي بأكمله ورحلوا، أبقوه حيا ومضوا، ومنهم من بقي ليروي لنا الحكاية، ومنهم من رحل ليجعل من روحه وجسده القصة، الرواية والحكاية*

 

//

يوم زلزلت الأرض زلزالها وأخرج المجد أبطالُها، شيوخ نساء، فتية وشباب سطروا في التاريخ اسطورة لم تؤرخ، ملحمة عزم وإصرار، الموت أو نحمي هذه الديار، القوا الحجارة تكاتفوا ورصوا الصفوف. لا أبالغ. هذه هي الصورة التي رسخت في ذاكرة طفل في السابعة من العمر، بل اعتقد أن قدرتي الوصفية قزَّمت هذا الحدث الجلل. نعم تقزَّم يوم عاهد الرجال وطنهم وربهم وقالوا بالحجر "هيهات منا الذلة"، لقد اذلوا جيشا مدججا بعزمهم وبأحجار مجدنا الغالي، ما زالت الصور والمشاهد راسخة كشريط يعرض للأبد.
حاجز عسكري مقابل دار درويش حيدر، مدرعات ومجنزرات تعج بها ساحة "الشطينة"، أبو كامل شحادة يهش بعكازه ويشتم.. أولاد الحرام!! اخرجوا من زرعي!! اخرجوا من ارضي!!
 عمي عاري الجسد، لف وسطه ببلوزة بيضاء ملأها بالحجارة يقذفها بيسراه كقذائف المدفع.
 جندي يصوِّب بندقيته نحوي ساخرا لانتمائي ولوني، رصاص يخترق بيت جدي... البيوت الجنوبية للحارة الغربية تحولت لثكنات عسكريه، غيمة من دخان البنادق والقنابل الغازية تخيم على الحي الغربي، أجواء خانقه تستوطن في الانف والحلق، انه الغاز المسيل للدموع، رصاص يتناثر بين ارجل أخي الرضيع الزاحف في الارض المحروثة، كأنه يبحث عن الأمان الذي بات مُحالا في محيطنا، الغرفة الخلفية لبيت جدي تؤوي وتحمي رجالا وشيوخا ونساء وطفالا من كل العائلات المجدلاوية ممثلين وحدة الجسد الثائر، المعلمة شيخة مغمى عليها في بيت احمد الفلاح (الصف الأول ب)، طيور الحمام الجوي والبري متعانقة في حقول حارتنا بعد أن اختنقت من الغاز السام أو نالتها بنادق الجيش برصاص غادر، رأس أبي متضخم وهو ملقى في الطابق الخامس في المبنى القديم حيث غرفة الانعاش التي ظل فيها فاقد الوعي لمدة اشهر متواصلة.
كل هذه المشاهد تستفيق كلما اقترب تشرين. آه ثم آه.. كلما اقترب تشرين يكبر معه الأنين. على مدار كل هذه السنين يبقى تشرين هو تشرين مليئًا بمشاعر فخر واعتزاز ممزوجة بحزن وأنين. اعتز وافتخر بابي ورفاقه جبابرة هذا البلد ابناء شعب الجبارين، حماة الديار، قاهري الغزاة، وأحزن... وقلبي يئن من جديد في كل تشرين.
 كيف لا يُخلَّد ويؤرخ يوم زلزل الشاغور، يوم أرعدت جبال الجليل؟ كيف لا يمجد يوم صرخ فيه التين والزيتون،، هذا بلد أنبت انبل الثائرين؟ كيف لا يدرّس يوم زعزع عرش كيان بني صهيون؟(حسب رأي بيرس- المفكر النووي لهذا الكيان) 
نعم تشرين يحزنني، تشرين ولد شهيد المسكن الاول، نعم هذا اليوم التشريني انجب شهيد المسكن الأول، لقد منعوا هدم عشرات البيوت، نعم حموا الحي بأكمله ورحلوا، أبقوه حيا ومضوا، ومنهم من بقي ليروي لنا الحكاية، ومنهم من رحل ليجعل من روحه وجسده القصة، الرواية والحكاية، قصة شهيد المسكن، الصمود والبقاء وحكاية الثامن من تشرين الثاني عام 1977.

 

  • بدأت الحكاية..

في مثل هذه الايام قبل 35 عاما، بدأت الحكاية، قرابة الساعة الثانية عشرة. يدخل صفنا شابان أرسلتهما المديرة طالبين: ادخلي جميع الطلاب إلى داخل حدود المدرسة. غرفة صفي (الاول ج) كانت إحدى الغرف المستأجرة من جيران المدرسة وبالتحديد دار السيد احمد الفلاح، وإذ بالمعلمة تطلب منا بصوت متلعثم مرتبك: اقلبوا الكراسي واصطفوا اثنين اثنين!! هذه اللحظة بملامحها الخريفية كانت علامة فارقة في حياتي الشخصية وحياة الكثير من أطفال قريتي، ملامح هذه اللحظة لا تختلف عما اعترى وجه معلمتي، اصفر كأوراق التين في تشرين، ملامحها مقهورة مهزومة كغيوم تشرين المغبرة لا غيوم مستبشرة كالغيوم التي كنا ننتظرها لتروينا وتغسلنا، رغم اغبرار الملامح والمعالم المبعثرة كوضع الكراسي المقلوبة مبعثرة آيلة للسقوط، استطعنا الاصطفاف.
 ما أن خرجنا من الغرفة حتى تأزمت الملامح والعبارات، في الغرفة المجاورة مربية الصف الأول (ب) مغمى عليها لأنها تلقت خبر إصابة زوجها في المعركة، كل هذه التفاصيل حولت تشرين مغبرا محملا برياح شرقية جافة تحمل أوساخا وغبارا متطفلا لم تعهده جبال وسهول وسماء فلسطين.
 في هذه المرحلة اضطرت مربية صفي لاصطحاب طلاب الصف الأول ب معنا وذهبنا مختلطين مرتبكين باتجاه بوابة المدرسة. عند اقترابنا من بوابة المدرسة بدأت اسلك مسارا مغايرا للسرب، تسللت خلسة في مفترق بدل دخول بوابة المدرسة، تابعت طريقي وحيدا وكأني أدركت في تلك اللحظة أن مساري مغاير لأبناء جيلي. انها بداية طريق حياة جديدة، نهاية عهد أو مرحلة حياة، أكملت السير وعلى كتفي حقيبة مثقلة بأجندة جديدة غريبة عن حياة طفل حتى وصلت ساحة العين فصدمني منظر عمي يلف وسطه بسترة بيضاء مليئة بالحجارة، يلتقط الأحجار بيسراه ويقذفها كالمدفع. وإذ به يصرخ: اهرب بسرعة!! لم اعرف لماذا يقذف الحجارة وصراخه غير مبرر، وبسرعة البرق يختفي في احد أزقة العين راكضا خلفه جنود منهكون مثقلو الخطى، لكن خطاي كانت أكثر ثقلا واقل توازنا، فاقد البوصلة، بعد لحظات من الحَيرة والارتباك شققت الطريق باتجاه بيت جدتي أم الأديب، ما أن لحظتها جالسة تغسل الملابس في طشت حديدي واضعة تحته إطار سيارة، فاحتضنت جذع شجرة الزنزلخت لتكون لحظات الشعور بالأمان الأخيرة في هذا اليوم المفصلي. تركت جذع الزنزلخت متقدما باتجاه جدتي حتى سمعنا صوت اطلاق رصاص، صوت غريب عن أجواء البلدة الريفية الوادعة، صوت غيَّر مسار أسراب حمام بلدنا، صوت اخرج صرخة من أعماق أحشاء جدتي: ولك شو صاير بالبلد شو في يا ستي؟! في جيش يا ستي شفتهم على العين بطخو... قلبت "طشت" الغسيل مسرعة للداخل لتغير ملابسها، فكانت تلك آخر كلمات نطقت بها في هذا اليوم. عدت ادراجي باتجاه ساحة العين كل الطريق، كانت صامتة مهجورة، ساحة العين وحيدة حزينة وهذا الشعور الذي استوطنني وحيدا حزينا، استجمعت قواي رغم زيادة حقيبتي بأعباء الحزن والوحدة بالإضافة لكل ما حملت منذ بداية اليوم، استطعت تجميع قواي باحثا عن طريق الأمان باتجاه بيتنا. بدأت أسير باتجاه الغرب بصمت وبخطى مرتجفة وحقيبتي تزداد ثقلا، لم أر أي كائن حي بالأفق، وبشكل مفاجئ، عندما وصلت المفترق الأول اخترت الطريق الالتفافية كأني على علم بان الذئب ينتظرني في الطريق القصيرة، سلكت الطريق الالتفافية وأنا لم اكمل السابعة من العمر، لأول مرة أمر في تلك الازقة شعرت بأني أسير في طريق طويل مظلم بلا نهاية. مشيت ومشيت ماسكا يديَّ خلف ظهري مثل حنظلة ناجي العلي، بقيت امشي وحيدا حتى وصلت الزاوية المطلة على ساحة الشطينة بجانب مدخل دار أبو إبراهيم ذياب، وهنا بدأت الصورة تتضح للطفل...

 

  • احتلال حي الشطينة

ملامح معركة... ساحة حرب... حي الشطينة بدأ يمتلئ بعربات الجيش... إحداها كانت مجنزرة كأنها تطحن التراب تحتها، وإذ بصاحب الأرض رجل قصير القامة منحنيا بعض الشيء، يدعى أبو كامل ينقض على السور كالأسد يذود عن مملكته قائلا: دمرتم زرعي اخرجوا من ارضي يا أولاد الحرام !!!رافعا عكازه كبندقية ثائر: يا ويلكو من ربنا!! خلال زئيره كانت مجموعة نساء من أقاربه يحاولن ردعه ورده إلى البيت، قائلات: "ارجع من شان الله ارجع يا عمي، هذولا بعرفوش الرحمة اسا بطخوك"، الأخرى تقول "هذولا سفل بحترموش عقالك وعمرك"... بعد فترة من صراخ الشيخ على اللي ما يخافوا ربنا وصراع النسوة من اجل إرجاع الختيار، استسلم متكئا على عكازه وروح الهزيمة تحتل أرضه وكيانه راجعا إلى بيته مستسلما، في كل هذه اللحظات كنت أحاول لفت انتباه الحضور، لكن احدى النسوة اللواتي حاولن شد فساتينهن لم تشعر بوجودي، انصرفن كلهن خلف أبو كامل يندبن حظ أرضهم وقريتنا، بقيت وحيدا واقفا على أطراف أصابعي أشاهد تطورات حملة احتلال كتيبة حرس الحدود لساحة الشطينة، العربة المجنزرة ما زالت تطحن التراب وتسوي المزروعات بالأرض، العربات تصطف الواحدة بجانب الأخرى في الجهة الغربية، والجنود ينزلون مسرعين مع هراواتهم وبنادقهم مزودين بأمتعة وعتاد حربي وخوذ مختلفة عن المجموعة التي تبني الحاجز عند مدخل الساحة مقابل بيت السيد درويش حيدر، وأيضًا لون زيهم مختلف، تجمعوا مصطفين بشكل دائري مكان مسجد الهجرة اليوم، يتلقون توجيهات القائد، في تلك اللحظة لمحت احد جنود الحاجز ينهال ضربا بهراوته على رجل مسن يطرحه أرضا يمرغ حطته وعقاله بحذائه الحربي راكلا رأسه الذي كساه الشعر الأبيض، والكتيبة الأخرى تستمر بالصيحات خلف القائد.. ولكن بسرعة البرق تفرقوا الى عدة جهات حتى ظننت أنهم يهاجمونني، فجثوت خلف السور والدموع تنهمر بغزارة حتى ابتلت الأرض، أئن بصمت، رأسي متكئ على السور، قلبي ينبض بقوة، شعرت كأنه يمزق صدري، وبدأت ازحف خلف الجدار باتجاه الجبل، زحفت حتى شعرت بانني في مأمن من هجومهم المرعب. وهنا بدأت أسير في الشارع المتاخم للجبل الشمالي للقرية في شارع ضاعت به حدود المدى، فكأن كل المدى غيمة سوداء بنتها القنابل المسيلة للدموع، هذه الغيمة بدلت شمس الحرية وعطر أرضك يا وطني، امشي وأفرك عينيَّ، كلما اتجهت غربا أكثر تزداد الحرقة والدمع يقاوم في عيني، فرائحة الغاز تتغلغل في انفي حتى استوطنت حلقي. بقيت امشي متكئا على جدران البيوت من بيت إلى بيت حتى انزلقت على تلة متدحرجا الى أن اوقفني جذع زيتونة.
تنقلت في كرم الزيتون بين جذع وآخر، والغاز يملأ الكرم والمنطقة كلها. لم أعِ اين انا فكل المدى غيمة لعينة محت الوان السماء، الارض وشجر بلدي، جلست يائسا بقرب جذع زيتونة ابكي بصمت بلا دموع، فقد جفت في بداية المشوار. وبعد فترة من اليأس والبكاء الصامت هبت ريح زحزحت تلك الغيمة اللئيمة فمن خلال ثناياها لمحت بيتا، فقفزت راكضا بلهفة وفرح فرحة الغريق بلقاء طوق النجاة، انه بيت جدي، وصلت السياج الفاصل بين بيت جدي وكرم الزيتون، قفزت محاولا تخطي السياج، لكن السياج يرميني أرضا. فقررت أن اتسلق الجدار واضعا قدميَّ بين فتحاته. تخطيت نصف المرحلة، وإذ بقناص يقف امام بيت منير الظاهر (ابو خالد) يصوب بندقيته نحوي. هذا التصويب"مسْمرني"، حنَّطت مشاعري، ظللت معلقا على السياج حابسا انفاسي... جفني بات صلبا... كصخور بلادي... لا يجرؤ على الحركة. بقيت على هذا الحال بضع دقائق حتى شاهدت نافذة الغرفة الخلفية لبيت جدي تفتح، تطل من خلفها بخلسة زوجة عمي وتصرخ بهمس هيا اقفز! "فوت" بسرعة قبل ما "يطخوك"، وأنا نسيت الحركة، تغلق النافذة ثم تفتحها وتعاود الطلب بغضب أكبر ولكن الصدمة من بندقية ابن الـ.... محت الصوت والحركة من كياني. بت لا احرك ساكنا، كلما فتحت النافذة اسمع اصواتا متعددة تنادي: "سكري الشباك بسرعة اسا بشوفونا، اسا بيجولنا، خلّيه يجي بسرعة" - كل هذا وانا عالق مصلوب على السياج. وبشكل مفاجئ قفزت زوجة عمي كاللبؤة تنتشلني من خلف السياج وترميني داخل الغرفة، لقد سمعت دقات قلبها لقد رمت نفسها في مرمى رصاصة القناص لإنقاذي.
 ادخلتني الغرفة ثم جلست بالزاوية لا تقوى على التقاط انفاسها، فجميع الحاضرين صمتوا صمت اليائسين ظنا منهم بان مخبأهم قد كشف، والغول المتربص بهم بالخارج قادم لا محالة، هم صامتون وعيناي تتفحصهم واحدا تلو الآخر. من هؤلاء؟ ماذا يفعلون؟ هذه التساؤلات جالت في خاطري محاولا فهم سبب حشر وتكديس ما يقارب من اربعين شخصا، بينهم الشيخ والكهل، وشباب ينزفون، فتيات علامات الهراوات على جباههن ووجوههن، نسوة صغارهن يلتصقون بأحضانهن، وآخر يراقب من خلال فتحة الباب الاحداث في الخارج. جميعهم في الغرفة الخلفية لبيت جدي، بعد صمت غير قصير، انهال علي الحضور بهمسات غضب وملامة، كيف وصلت إلى هنا؟ لماذا تركت المدرسة؟ صبوا غضبهم علي ولكنني نسيت الاحرف والكلام في ذلك اليوم..

 

  • إبني.. إبني

 منذ تلك اللحظة لم اتذكر تسلسل احداث بقية اليوم لكن اتذكر حدثين تركا ندبات مستديمة في اعماق قلبي، الاول صرخة امي وهي تزأر "ابني،ابني"، لقد سمعنا صوت اطلاق رصاص فنظر الشاب المراقب من ثقب الباب المطل على بيتنا قائلا: "اني ارى الرصاص في ارضك يا ابو محمد". هرع قسم من الرجال محاولين مشاهدة الرصاص وقبل وصولهم صرخ المراقب قائلا: "هناك طفل يحبو والرصاص يتناثر حوله" فقفزت امي صارخة: " ابني.. ابني" قفزت كالعاصفة تطيح بكل من كان قرب الباب... فتحته على مصراعيه غير آبهة ببنادق ورصاص بني صهيون، فأحضرت اخي الرضيع الذي زحف على الارض المحروثة، زحف بين رصاصة ورصاصة، فرجعت به مسرعة الى المخبأ والصمت خيم على الجميع.
المشهد الآخر، ملامح احداثه مختصرة ومقتضبة، ولكن كلماته غيرت مجرى تاريخ حياتي.
دقات قوية سريعة على باب الغرفة... يفتح المراقب الباب... تطل فتاة تلهث تتصبب عرقا... تتكئ على حافة الباب...تقول بصوت مخنوق مصحوب ببكاء وأنين: " ابو محمد الحق شوف ابنك محمد ذبحوه اولاد الكلب" تزداد بكاء وتقول "هجموا عليه عشرين واحدا... كسروا راسو بالعصي... اخذوه معهن... وكل وجهو وراسو ينزف، دمه ملأ الارض... بركة دم". منذ تلك اللحظة تبدلت الالوان. باتت الدنيا كلها تتلون بالأسود، النهار يزداد سوادا، السماء سوداء والطعام ملحه اسود.
كل هذه الاحداث جاءت عقب محاولة قوات من الشرطة وحرس الحدود هدم عشرات البيوت في الحي الغربي من قرية مجد الكروم.
رغم نجاح اهل القرية بتصديهم للشرطة وحرس الحدود. بوحدتهم وتضحيتهم احبطوا المخطط لهدم عشرات البيوت وسطروا وملحمة تاريخية من الصمود والنضال لشعبنا، الا ان النتيجة كانت مؤلمة،هدموا بيتا، اغتالوا بدم بارد شهيد المسكن الاول احمد المصري، حطموا جمجمة شاب في ريعان العمر حتى بات مشلولا.
هدموا بيت السيد حسين عوض كيوان الذي امضى حياته بالكد والتعب من اجل بناء مأوى لأبنائه الذين باتوا مشردين بلا مسكن، هدموا منزل رجل استل قوته ورغيف عيش صغاره من الصخر رموه خارج البيت هو زوجته وطفلته بعد ان ضربوهم واذلوهم وباشرت المجنزرات بهدم البيت على كل ممتلكات الرجل المسكين. فبات بالعراء يكتسيه متلحفا الفضاء وركام وحطام بيته وسادته وفراشه.
لقد قتلوا احمد المصري برصاص غادر، عدة عيارات تخترق صدره ممزقة قلبه الثائر على همجية السياسة الكولونيالية للحكومة الإسرائيلية. ففي هذا اليوم انجب نضال وتحدي اهل مجد الكروم شهيد المسكن الاول.
إن الشاب الذي حطمت جمجمته على يد همج وبرابرة المؤسسة العسكرية، كان والدي، نعم حطموا جمجمته في هذا اليوم... تركوه كجثة هامدة بلا حركة... وعظام جمجمته مفتت... الا انه أبى الموت كأنه يقول "كأننا عشرون مليون مستحيل، ونحن نحب الحياة متى استطعنا اليها سبيلا" فقرر ابي العيش مع عدة عاهات واطراف رأسه مجوفة بلا عظم جمجمته حتى تشرين عام 1996.
إن مثلث الاحداث هذا شكل الطينة التي جبلت التحول الجديد في حياتي الشخصية، انه مثلث المأساة، التحدي، الصمود مجبول بدم الشهيد، جرح ابي وركام المنزل يوازيه مثلث الانين، الزغرودة ونواح التشرد.
إنه نواح الحاجة المرحومة ريمة، ام علي، فكلما مررت قرب بيتها المؤقت بعد تشريدها هي وصغارها تبدأ بالنواح، وتندب حظها، وتلعن الذين كانوا السبب، وتنهي التنويحة بقولها "اااه يا حسرتي عليكو يا اولاد محمد الخليل". إنه انين الأم التي ارضعت صغارها الثمانية حليب الحياة، وقلبها ينزف حسرة على شباب زوجها الذي لازم فراش الموت تسعة اشهر بلا حركة، رأسه متضخم يحمل فيه مأساة ونكبة بلد، انه أنين امي، ان انينها في النهارقرب سرير زوجها (ابي) في المشفى يتحول في الليل لحليب الحياة لصغارها. اما الزغرودة انها زغرودة المرحومة ام احمد، ام شهيد المسكن. ففي المظاهرات الاحتجاجية في تلك الفترة كان المنظمون يتعمدون المرور من الطريق الغربي للمسجد القديم حيث كانت تقطن المرحومة، وعندما نقترب من بيتها، تنطلق الحناجر صارخة: "يا أم الشهيد زغردي.. كل الشباب أولادكي". فتبكي دمعتين ودمعة، حتى تلمحني ماسكا بقضبان الشباك الشرقي، فستجيب لنظرتي المتوسلة للزغرودة وتطلق العنان لزغرودة زفاف الشهيد.
في كل تشرين تستوقفني هذه المشاهد من جديد، لكي انحني راكعا احتراما واجلالا لوقفة ابي وصحبه. اما في هذه السنة، الذكرى الـ35، اتوجه لذلك الصحافي اليهودي الذي سألني: " هل سامحت وغفرت؟" فأقول له: وهل يحق لي ان اسامح؟ وليعلم كل ابناء "عمنا" لا غفران ولا نسيان!! وكل تشرين وابطال تشرين ممجدون" المجد والخلود لأبطال بلادي".

 


(مجد الكروم)

قد يهمّكم أيضا..
featured

استحقاق ايلول: ندعم ونحذّر

featured

الحق يمشي ولو عرمشي

featured

اعتداء عنصري على الاماكن المقدّسة

featured

الثورة المضادة اسمها كاميليا

featured

هيكل تحت الغبار

featured

مصاعب "الأونروا" وحكّام العرب

featured

جرائم الشرف: المفهوم وموقع المرأة

featured

فاشية من مستنقع العدوان والاحتلال