للقاءات والأمسيات أبعاد رفاقية واجتماعية وسياسية بمضامين كفاحية ممتعة، وخاصة عندما يلتقي عشاق المسيرة والتجربة المشتركة في الكفاح والنضال، ممن شقوا الطريق الصعب في بحر متلاطم الأمواج وتحمَّلوا حرارة الحديد ودفعوا الثمن الغالي بالدم والدموع، يوم حفروا الصخر في أحلك واعقد الظروف التي كانت سائدة وسط المؤامرة التي حلت بالشعب العربي الفلسطيني سنة 1948.
كان الكتف على الكتف، وكان العناق شامخًا على حجم اللقاء الحار والدافئ من مساء يوم الجمعة الأخير من شهر كانون الثاني 2015. المكان النادي الذي يحمل اسم احد القادة الكبار من المؤسسين للحزب الشيوعي في هذه البلاد المؤرخ د. إميل توما في قرية جديدة العامرة في الجليل الغربي. حيث تبدلت الكلمات وجرت المصافحات الحارة فيما تساقطت حبات الدموع بحرارة اللقاء لتعطي وتضفي على اللقاء بعدًا وتأثيرًا عميقين في البحر الذي يعب كثيرًا ويزخر بالذكريات الحزبية والنضالية لرفاق المسيرة منذ بدايتها ولغاية اليوم، في مواجهة أعداء الحزب والشعب على طول مسيرة حافلة بالإنجازات والتحديات التي بدأت منذ زمن طويل جدًا وما زالت مستمرة لغاية الآن ودون توقف.
من دواعي الصدف والسرور ان تلتقي القلوب الحزبية والنضالية وان يحتفل الرفيقان الحاجان أبو حاتم وفيق حسين نصرة الكوكاني المنشأ الأبو سناني الإقامة في بداية العام الجديد 2015 مع رفيقه أبو إدريس صالح إدريس تيتي البعناوي الأصل المكراوي الإقامة، في أواخر الشهر الأول من العام الجديد 2015 في ذكرى ميلادهما، وقد تجاوز كل منهما الجيل الذهبي.
يقول الرفيقان أبو إدريس وأبو حاتم في حفل تكريم الأول، ان الجيل المقرر هو جيل الكفاح والنضال والمعنى السياسي والثقافي وصلابة الموقف والقدرة على المواجهة عندما تقدم على الانتساب لصفوف الحزب، ان تتعلم كيف تعطي وتضحي في سبيل الحزب وقضيته الطبقية وأهدافه المبدئية نحو خلق مجتمع أكثر عدالة وإنسانية، فالإنتساب يعني تحديد موقف بالانحياز إلى جانب المظلومين ومناصرتهم، وهذا أهم بكثير من الجيل العادي للإنسان حتى لو عاش العمر كله. فالحياة لهذين الرفيقين وأمثالهما من كوكبة عمالقة الكفاح والصمود، تقاس ليس بكمية وطول السنين، وإنما بتوعية حياتهما والأيام والليالي التي استطاعا خلالها، معًا أو على انفراد ان يشتركا في مجمل العمل الشيوعي والانخراط بصورة طواعية للدفاع عن أهداف ومبادئ الحزب في سعيه المتواصل للدفاع عن حقوق المظلومين من كافة شرائح المجتمع، ان حياة الإنسان الشيوعي هي حياة حافلة ومميزة بالتحديات والمواجهة والقدرة على تليين الصعوبات، حياة أشبه ما تكون بالحفر والضرب على الصخر من اجل تفتيته. ان الحزب الشيوعي في منطقة عكا وعلى الصعيد القطري، يفخر ويحني هامته أمام كوكبة غالية ثمينة من صناديد الكفاح الطويل أمثال صالح إدريس تيتي ووفيق نصرة وكمال غطاس ونايف سليم ويعقوب الياس وفخري بشتاوي ومحمد نفاع وحسين مباركي واحمد خطيب وصالح أبو عيشة وسخي جريس ومنعم جريس ونجيبة غطاس وسلوى موسى ونبيهة مرقس والقائمة طويلة تمتد على طول مسيرة الحزب التي تشارف على بلوغ الذكرى المئوية لتأسيسه في هذه البلاد.
المشهد الحزبي والجماهيري لتكريم رفيقنا الغالي أبو إدريس كان تكريمًا حاضنًا متلاحمًا عابقًا بجو الحماسة والذكريات متدفقًا كالنهر جامعًا من كل حدب وصوب، يتبادلون التحيات الحارة والقبل الدافئة يستذكرون الماضي عندما كانوا لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة في كل قرية وموقع، كيف كان/ كانوا يواجهون سلطات الانتداب والحكم الأجنبي ويجندون لإنجاح إضراب أو مظاهرة معينة، أو يوزعون جريدة الاتحاد في ظروف العمل السري وإرهاب الحكومة والشرطة وقطع الأرزاق. كيف كانوا ينتقلون من حارة إلى أخرى ومن بيت أو موقع إلى آخر في ظروف قاسية جدًا وبالغة التعقيد والخطورة، تهامسوا جميعا وفي عيونهم وباكورة أعمالهم الكفاحية تجربة الماضي الحافلة بالتحديات والعجائب والمآثر الخالدة التي اجترحوها من معارك الشرف والصمود دفاعًا عن طريق الحزب.
إن هذه الكوكبة هم وغيرهم ممن أفنى حياته في الحفاظ ولانتصار هذا الطريق وهم كُثر، لكم جميعًا أسمى آيات الحب والتقدير يا أبطال طلائع النضال والتضحية في الزمن الذي لن يعود. اننا ندرك ان في قلوبكم متسعًا كبيرًا لاحتواء التطورات والتجاوب مع روح العصر الحديث. انتم أيها الرفاق الجذر العميق الذي يمتد من جوف الأرض وأغصانه تعلو في سماء الكون وارفة الظلال تستظل تحتها الأجيال جيلا بعد جيل لأنكم ينبوع التجربة وصمام الأمان في خُطى مسيرة الحزب والاستبسال في الدفاع عن الجماهير الكادحة ضد الحرب والاحتلال ومن اجل مستقبل أفضل لكلا الشعبين.
كثيرة وزاخرة لا تنضب تلك الروايات والحكايات والأحداث التي سطرها أروع المناضلين من الرعيل الأول في مقارعة الظلم والظالمين دفاعًا عن الشعب والذين دفعوا ثمنها غاليًا من التضحيات والدم والدموع والحرمان والسجن والاعتقال والنفي وقطع الأرزاق إلى جانب الفقر وبؤس وضيق الحال، لم تكن هذه قصصًا من الخيال وإنما معارك يومية وحياتية على خط المواجهة مع الأعداء في الداخل والخارج، وسيكتب التاريخ في طيات صفحاته ان رفاق أبو إدريس صالح تيتي وحزبه الشيوعي هم نوارات الكفاح وشعلة الأمل التي لا يجاريها احد.
لقد اعتاد العديد من فروع منطقة عكا، ومنذ فترة ليست بقصيرة، على تكريم وتقدير جيل الشعلة الأولى من المؤسسين للحركة الشيوعية في منطقة عكا والجليل عمومًا، بهدف الاستماع وتدوين تلك التجربة الفريدة من نوعها في اكبر تحدٍّ عرفه الشرق الأوسط والعالم العربي، بوقوف الشيوعيين الأوائل في مواجهة أعداء الشعوب والإنسانية، الامبريالية البريطانية /الأمريكية والصهيونية وحكام إسرائيل والرجعية العربية للحيلولة دون تنفيذ مخططاتها ضد الشيوعيين والوطنيين والشعب الفلسطيني عامة وكل الشعوب التواقة للحرية والاستقلال.
الحزب الشيوعي في كل قرية وموقع، لا يمكن ان ينسى أصحاب التعب والفضل، الذين شقوا الطريق وكانوا في الخطوط والمواقع الأولى في مجابهة العدو السياسي والطبقي والقومي. هؤلاء الرفاق بتجربتهم النضالية حمَوا الشعب والجماهير قدر استطاعتهم، وتحملوا الكثير في سبيل الحفاظ على ميزة الحزب كتنظيم وإطار للكفاح من اجل حماية الشعب والدفاع عنه في أحلك الظروف وأصعبها وسط تمرير المؤامرة الكبرى على الشعب لتشريده عن وطنه، ان شيوعيي تلك الحقبة من تاريخ الحزب ومسيرة هذا الشعب وبالذات في منطقة عكا والجليل الغربي، قد تصدوا بكل بطولة في وجه سيارات الترحيل المليئة باللاجئين لقذفهم خارج حدود الوطن، هكذا جرى في ساحة المراح في كفرياسيف وفي البعنة وعكا وغيرها.فالحزب أو الفرع عندما يكرم رفيقا أو كوكبة من رفاقه القدامى مثل الشيوعي العريق صالح إدريس تيتي أو أبو حاتم وفيق حسين نصرة أو نديم موسى وغيرهم وهم كثر في فروعنا وقرانا، فان هؤلاء الرفاق الأشاوس في التجربة والنضال والسهر على مستقبل الحزب، هؤلاء الرفاق يعيدون هذا التكريم الأخلاقي الثوري الكفاحي إلى أصحابه الشيوعيين، إلى من ألهمهم صفات النضال وزرع فيهم حب الشيوعية والتضحية في سبيل المجموع، إلى تنظيم الحزب الشيوعي وبذر بذرة الشيوعية التي نمت في هذه البلاد.
إن الشيوعيين الأوائل وفي مقدمتهم أبو إدريس وأبو حاتم، وقد تخطوا عتبة العمر المديد ثمانين عامًا ونيفا، قضوا أكثر من 60 عامًا في صفوف الحزب جنودًا في الصفوف الأمامية لجهة النضال اليومي دفاعًا عن الحزب والجماهير الفلسطينية الباقية في وطنها، ومعهم عشرات الرفاق والرفيقات الذين افنوا أجمل سنوات عمرهم في خدمة الحزب والشعب.
وفي مثل هذه الظروف السياسية البالغة التعقيد، وعشية المعركة الانتخابية للكنيست العشرين وللحيلولة دون عودة نتنياهو واليمين الفاشي للحكم، وللوقوف في وجه سياسة الاحتلال والحرب والاستيطان والتمييز المضاعف تجاه الأقلية الفلسطينية والتحريض العنصري المنفلت تجاه قادة ومستقبل هذه الجماهير، فان هذه الكوكبة من الشيوعيين الأبطال على نطاق منطقة عكا وغيرها، إذ تهدي هذا التكريم الأصيل إلى الرفاق الذين افنوا حياتهم في سبيل الحزب وقضوا نحبهم على هذا الطريق، طريق الهامة المرفوعة في وجه الظالم، والى رفع شأن راية الحزب عاليًا في تحقيق اكبر انتصار سياسي في تاريخ الجماهير العربية ومسيرتها السياسية خلال الـ66 عامًا، ان هؤلاء الرفاق يناضلون اليوم إلى جانب الشباب وعشية الانتخابات القادمة ويتوجهون إلى المجموع في بذل وتجنيد كل الطاقات والإمكانيات عبر كوادر العمل الانتخابي والسياسي والشعبي المشترك لإنجاح القائمة المشتركة اليهودية العربية، وتعزيز التمثيل العربي اليهودي الديمقراطي المشترك في الكنيست القادمة وتفويت الفرصة على أقطاب اليمين والعنصرية والترانسفير السياسي أعداء الجماهير العربية واليهودية والعمل بأقصى درجات المسؤولية والوطنية الحقة في رفع نسبة المشاركين في العملية الانتخابية بصورة صحيحة، ان جيل الشيوعيين القدامى يعوِّل على جمهور الشباب والمصوتين الجدد، ان حاربوا اللامبالاة وتجندوا لنصرة شعبكم المظلوم. فانتم أمل الحزب والشعب في استمراريته وحمل الراية الكفاحية، لنمضيَ قدمًا إلى الأمام.
(كويكات/أبوسنان)
