طريق الخروج من قُلْقُس مُغْلَق وتحوّل عبور الشارع إلى مغامرة يوميّة

single


(ترجمة: أمين خير الدين)
      للوصول إلى المدينة المجاورة للقرية الواقعة جنوب مدينة الخليل، على الصغار والكبار عبور شارع رقم 60 بدون اشارات ضوئيّة  وسيرا على الأقدام، وحتى بدون ممر للمشاة. لقد قُتِل في السنتين الأخيرتَين ستة مواطنين.
     ساعة ظهيرة في قُلقُس. مئات الطلبة يتدفّقون من المدرستين الابتدائيتين في القرية، إحداهما للبنين والأخرى للبنات. والمعلمون أيضا أنْهَوْا يوم عملهم. يتفرّق جمهور الطلاب ببطء، بعضهم يغيب بين بيوت القرية وبعضهم يتّجه باتجاه الشارع السريع بين المدن والذي يفصل بين القرية والضواحي الجنوبية من مدينة الخليل، حيث يسكن بعض الطلاب.
     يعبرون مَسْرَبا تُرابيّا شُقّ بين الكتل الحجرية الكبيرة التي وُضِعت هنا كحاجز مانع لمرور السيارات، يقفون على جانب الشارع الصاخب ينتظرون اللحظة الملائمة لعبور الشارع. تمرّ السيارات مسرعة، سيارات المستوطنين وسيارات الفلسطينيين، تأتي من الاتجاهين. هذا هو شارع رقم 60، عابر الضفّة، وهذه هي قُلْقُس، قرية يقطنها 3000 نسمة على السفوح الجنوبيّة من مدينة الخليل، تنتشر البيوت السكنيّة على جانبي الشارع، بعضها من ضواحي الخليل وبعضها من قلقس.
     تحين الفرصة، لدقائق، لا تظهر خلالها سيارات من الغرب أو من الشرق، يمكن عندئذ عبور الشارع بأمان نسبي. بعض الطلاب يعبرون ببطء، خُبراء بعبور الشارع، بعضهم يعبره جريا وخائفا، حقائبهم الكبيرة على ظهورهم الصغيرة. أحيانا تصفر سيارة، قد تقع هنا في كل لحظة مصيبة، يوجد طلاب أبناء خمس سنوات، وستّ وسبع، لا أحد بالغا يرشدهم عند عبور الشارع. في المكان الذي يمر يوميا آلاف الأشخاص، لا يوجد فيه ممر فوقي أو تحت الأرض، وليس فيه شارة مرور ضوئيّة ولا حتى ممر للمشاة. لأن الأمر يتعلق بفلسطينيين مع أن القرية مُحاصرة منذ 17 سنة، الشارع المُباشر للمدينة المجاور مُغْلَق. يمكن الوصول من القرية إلى المدينة بطرق ملتوية وطويلة، أمر بديهي في أرض محتلّة.
     لقد قُتِل هنا في السنتين الأخيرتين ستّة مواطنين على الأقلّ. في الأشهر الأخيرة، بعد مقتل آخر مواطن دهسا، بدأ سكان القرية بالتظاهر اسبوعيا بالقرب من الحاجز الحجري. من أجل فك الحصار الجزئي الذي فُرض منذ 17 سنة ومن الخطر الكامن لهم على الشارع. يجتمعون كلّ يوم جمعة، وكلّ يوم جمعة يصل جنود جيش الدفاع الإسرائيلي ليفرقوا المظاهرة بالغازات المسيّلة للدموع.


**حصان وعربة


ساعة ظهيرة على الشارع رقم 60. امرأتان مع سلال تسيران ببطء على الطريق الترابي، تحاولان عبور الشارع باتجاه قريتهما، تُتمْتم إحداهن: "هكذا تستمر معاناتنا منذ 17 سنة". شخصان آخران يرتديان بذلتين، مراقبان من قِبَل وزارة المعارف الفلسطينية، عاقل عاطف ويوسف تيتي، يعبران الشارع بالاتجاه المعاكس، أنهيا يوم عملهما في مدرسة البنات في القرية، ويعودان الآن إلى الخليل. تنتظرهما سيارة على الجانب الثاني من الحاجز الحجري.
    هذيان: يتدحرج بين الكتل الحجرية الكبيرة حجر صغير مُهشّم مع كتابة منقوشة عليه بالعبرية، من بقايا نُصُب تذكاري مُحطّم ليوسي شوك "الرب ينتقم له" هذا ما هو مكتوب على الحجر. صدمة، مستوطن من مستوطنة بيت حجاي القريبة وأبٌ لخمسة أبناء، قُتِل من إطلاق نار عليه سنة 2005، والآن يتدحرج حجر من النصب التذكاري كجزء من حاجز يُحاصر القرية المجاورة للمستوطنة.
   وقُتل هنا أيضا إبراهيم أبو ترك، سنة 2000، من حينه خضعت القرية لنظام منع التجوّل، يومئذ حاول أبو ترك التسلل إلى القرية راكبا على حمار يحمل أيضا كيسا من الطحين، أطلق الجنود النار عليه ومنذئذ هو مشلول، يجلس على كرسي يتحرك بعجلات، وهكذا سيمضي بقية عمره، زوجته، سُعيدة، حاولت قبل خمس سنوات  عبور الشارع فدُهِست وماتت.
     ثلاثة فتيان يحتفلون في أعلى الشارع الصاعد إلى التلّة القريبة. ويصعد هذا الشارع أيضا من الحاجز، وفي نهايته يوجد حاجز أيضا من كتل حجرية. ومن سُخْرية القَدَر: عند مدخل هذا الشارع توجد أرمة طُرُق حمراء عادية: "هذا الطريق يؤدّي إلى المنطقة الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية. ممنوع دخول الإسرائيليين". لكن في آخر هذا الطريق حاجز،لا يؤدي إلى أيّ مكان  وهو مُغْلق ليس فقط للإسرائيليين إنّما للفلسطينيين سكان المنطقة.  فقط عربة يجرها حصان  يمكنها أن تشقّ طريقها بين الكتل الحجريّة لتمرّ إلى الجانب الثاني من الشارع. سنلتقي مع العربجي (الحوذي) في بيته.
    سرنا في الشارع بسرعة، عبرنا بين الكتل الحجريّة ودخلنا قرية قلقس، تكاد تكون قرية، وتكاد تكون ضاحية، مع قسائم بين البيوت مزروعة بالملفوف، كروم زيتون صغيرة المساحة، وعدد من الدفيئات وحظائر الأبقار الكبيرة ومحلبة الجنيدي. أغلبية السيارات التي تتجول في القرية "مشطوبة"، ممحيّة. أي أنها، سيارات بدون لوحات ترخيص،  وبلا رُخَصٍ، أكثرها مسروق من إسرائيل.
     بعض السائقين قاصرون. "لقد رأيت هذا الأسبوع فتًى يقود سيارة نقل للماء كبيرة، لا يبدو عليه أنه تجاوز أل-12 سنة، عندما يكون وجودك غير قانوني، يكون كل شيء غير قانوني"، يقول موسى أبو هشهش، المحقق في منظمة بتسيلم والذي رافقنا في  القرية. السيارات غير القانونيّة لا تخرج من القرية. بالأحرى من الصعب عليها أن تخرج من قلقس- ثمانية كيلومترات طول الطريق الملتفّة حول الخليل، المدينة المقابلة، في الجانب الثاني من الشارع، ورغم ذلك من الصعب الوصول إليها.
     منظر السيارات المشطوبة يشبه منظر القرية الممحيّة، ديك يصيح، حمار ينهق، كيس من "العلف الوطني" وشاحنة  قديمة من "شوبرسال". أولاد يلعبون بالبنانير، شيء لم نره في إسرائيل منذ سنوات. عبد الحميد أبو سنينة يقود عربته التي يجرها حصان باتجاه بيته، يخرج من بيته كل يوم في السادسة صباحا إلى سوق الجملة في الخليل، يشتري خضروات ويتجول في القرى المجاورة وفي مخيّم اللاجئين الفوار ليبيع بضاعته.
     عمره 35 سنة، مشوّه منذ ولادته، مشلول برجله اليُسْرى، وزد على ذلك، انقلبت به عربته قبل سبع سنوات في محاولة لعبور الحاجز الحجري عند مدخل القرية، جُرح، وتشوّهت يده اليُسرى الى الابد وانقطعت إحدى أصابع يده اليُمْنى. الآن يُدْخِل الحصان إلى ساحة بيته، يُنْزل لجامه وينظفه بالفرشاة يجهزه ليرتاح بالليل. أخوه، أحمد، يصل أيضا راكبا عربته، وهي أيضا يجرها حصان. يعمل كلاهما بائعا خضروات متجوّلان على عربتيهما.
     أمهما، سارة، وخالتهما نصرة، تنتظران في البيت، نصرة مريضة بداء الربو وكل زيارة للطبيب أو للمستشفى  في الخليل عبارة عن رحلة عذاب وعناء. أحيانا ينقلانها على عربة يجرّها حصان، وأحيانا يحملانها على أيديهما إلى ما بعد الحاجز، ومن هناك تسافر إما في سيارة أجرة أو في سيارة إسعاف. السفر بسيارة الأجرة طويل، والطريق ملتوية، تكلِّف 50 شاقلا جديدا. وليس معها نقود.آخر مرّة نُقِلت إلى المستشفى كانت الأسبوع الماضي، الآن تتنفس بصعوبة وبواسطة جهاز استنشاق معها.
     ابنة سارة، عائشة، أنجبت مرّتين في السنوات الأخيرة: مرّة في البيت، ومرّة داخل السيارة بجانب الحاجز الحجري، بعد أن تأخرت سيارة الإسعاف في الخليل لمدّة ساعة تقريبا.الأم وابناها محمود وسيلين. بخير. عندما خرجنا من القرية رأينا طفلا يتجوّل في الشارع كان هذا هو محمود، وهو الذي وُلِد في البيت.



**ستّة قتلى


     قُتل ستّة من سكان القرية في السنتين الأخيرتين. آخرهما محمد أبو سنينه، ابن 32 سنة، ابن عمّ سارة. عاد من حفل زفاف في الخليل، وعندما وصل الحاجز، وقع منه جهاز بليفونه، وبينما هو ينحني ليرفعه دهسته سيارة مسرعة. وقد أدّى دهسه إلى مظاهرات يوم الجمعة عند الحاجز. يتصدّى لهذه المظاهرات جيش الدفاع الإسرائيلي بقوّات كبيرة تصل إلى هنا أيّام الجمعة، كما نرى في أشرطة الفيديو  التي يعرضها سكان القرية  بأجهزة بليفوناتهم. هنا المظاهرات ممنوعة، حتى ضدّ حوادث الطرق أيضا. وطبعا ليس من أجل حريّة الحركة.
وأيضا هيثم أبو سنينة، فتى عمره 14 سنة، قُتِل على الشارع قبل سنة. بعد دهسه بشهرين، قُتِل أيضا محمد سوس، فتى عمره 14 سنة من القرية المجاورة الريحية. هو أيضا حاول عبور شارع الدّم هذا. يوجد في القرية حوالي عشرة أشخاص يتلقون علاج غسل الكلى وطريق وصولهم للمستشفى مضعضع. الخروج من القرية في الليل أكثر صعوبة، لا توجد سيارات أجرة على الجانب الثاني من الحاجز الحجري والشارع المظلم. سائقو معظم السيارات هنا، السيارات الخردة المشطوبة، لا يجرؤون على الخروج خارج حدود القرية، خوفا من أن يُعْتقل أصحابها غير القانونيين في الطريق المُلتفّ والطويل.
     وفي ردّ على سؤال جريدة "هآرتس" عن إغلاق الشارع على مدى سنين وعن عدم وجود ممر للمشاة لآلاف المواطنين على الشارع السريع. قال الناطق بلسان جيش الاحتلال الإسرائيلي والإدارة المدنية أن "الطريق المذكور غير مُنظم ويشكل خطرا أمنيا على المسافرين عليه". وأضاف أيضا " تفحص السلطات المسؤولة في هذه الأيام إمكانيّة تنظيم الوصول إلى الشارع رقم 60  بشكل آمن ووفقا لتقديرات الحالة الأمنية".
     كلا الأخوين بائعي الخضروات صاحبا العربتين عبد الحميد وأحمد، يحْصون إيرادات يومهما، ويوزّعان نقودهما بين أمهما وخالتهما، جزء لهذه وجزء لتلك، المنظر مؤثّر يحرّك مشاعر القلب، وعندها يسأل أحمد: "هل يُمكن مطالبة دولة إسرائيل عن إصبع أخي التي فقدها؟".
(عن هآرتس)   

قد يهمّكم أيضا..
featured

عصر ما بعد الحداثة ؟؟؟

featured

خمسون عاما على معركة الكرامة

featured

بما أن الحصار بالحصار يذكّر: هنـا بيـروت ١٩٨٢

featured

أبو ابراهيم الكادح المخلص لطريق الكفاح

featured

وداعًا أيها الحبيب أبو باسيلا

featured

ألمراجل الكذابة

featured

دعوات حمل السلاح الاجرامية