يسألني بعض الناس أحيانا في البلاد وفي الخارج عن اسم المدينة التي أسكن فيها ، كأنّ من البدهي أن يكون الكاتب مدنياً ، فأجيبهم بأنني أسكن في قرية اسمها كابول وتقع على هضبة جميلة تشبه وجه الغزال في الجليل الغربي بين مدينتي عكا والناصرة وتشرف على الخليج ، ثم أقول ساخراً: وليس في أفغانستان كما يظن البعض. وأعتقد أنّ هذا التوضيح ضروري لأنه ناتج عن الإلتباسات والطرائف التي سبّبها لي هذان التوءمان: كابول الجليلية وكابول الأفغانية حتى أنني قبل عقدين من الزمن سافرتُ وطرتُ وحلّقتُ وهبطتُ في كابول الأفغانية بدون تأشيرة دخول وبقيتُ أياما محاصرا هناك وهم يبحثون في ارشيفاتهم وخرائطهم عن أصلي وفصلي إلى أن أعادوني على الطائر الميمون إلى كابول الجليلية. ففي العاشر من شهر تشرين الأول للعام 1990 أرسل إليّ الشاعر العبريّ المقدسيّ تسفي عتصمون بالبريد المسجل مجموعته الشعرية "معوراف يروشالمي" مُرفقة برسالة تحمل التاريخ المذكور ولكن البريد الإسرائيلي، الذكي جداً ، اختلط عليه الأمر وبخاصة أنّ عتصمون عَنوَنَ الرسالة باللغة الانجليزية فطيّر الطرد البريدي إلى كابول عاصمة أفغانستان. ويبدو أنّ سلطة البريد الأفغانية فتّشت عن هذا المجهول المدعو محمد علي طه في خريطة أحياء وحواري وأزقة كابول ولم تجده فكتبت على غلاف الطرد البريدي "أَدرِس ما مكمل. أَدرِس مجهول" وأعادته إلى مرسله في القدس. وقد ارتأى الشاعر عتصمون أن يرسل إليّ مجموعته الشعرية مرة ثانية مع الغلاف الأول الذي يحمل التوضيح الأفغاني ، مرفقة برسالة مؤرخة في 1-1-1991 يكتب فيها "ها أنا أرسل إليك المغلف العائد كما هو وآمل أن يصل إليك كتابي هذه المرة، وأنا على يقين أنك ستبدع قصة هامة عن هذا الحدث".
وفي ثمانينات القرن الماضي كان قد اتصل بي هاتفيا مترجم من ألمانيا الغربية ، وكان في عالمنا يومئذ دولتان ألمانيتان: شرقية اشتراكية وغربية رأسمالية ، وأخبرني أنه اختار قصصاً من مجموعاتي القصصية ليترجمها إلى الألمانية وقال: كنتُ أرغب بأن أترجم قصة "العلم" التي أحببتها ولكن يا للأسف. فسألته مستغرباً: لماذا؟ فأجاب: أنت كاتب فلسطينيّ إنسانيّ وتقدميّ ويعاني شعبه من الاحتلال ويعرف موقف العالم الحر من كابول وحكومتها ومن الاحتلال السوفييتي لأفغانستان فلماذا أنهيت قصتك بهذه الجملة "من كابول إلى بيروت شعب حي لا يموت"؟ . وشرحتُ له أنّ كابول المذكورة في قصتي هي قرية في الجليل ولم يصدقني الهر الألماني ولم يقتنع بكلامي.
وفي صباح أحد الأيام وفي أثناء العدوان الأمريكي على أفغانستان الذي شنّه الرئيس الأمريكي ، الذكي جداً والحضاري جدا جدا ، جورج بوش الإبن ، بذريعة القضاء على حكومة طالبان ومنظمة القاعدة بعد تفجيرات نيويورك الشهيرة ، وفيما أنا مشغول بكتابة نص أدبي وإذا بهاتفي الخليوي يغرّد وسمعتُ صوتاً أنثوياً ناعماً يسألني بالعبرية: هل أتحدث مع شلومو؟ فأجبت: الرقم خطأ يا سيدتي. وأقفلتُ الجهاز وعدتُ إلى الكتابة وبعد دقائق قليلة رنّ الهاتف الخليوي ثانية وإذا بالصوت نفسه وبالسؤال نفسه فأجبتُ بامتعاض: الرقم خطأ يا سيدة. وما هي إلا دقائق أيضاً واذا بالخليوي يعود يرنّ ويزنّ فتناولتهُ متضايقاً وإذا بالصوت نفسه: هل أتحدث مع السيد شلومو؟ فقلتُ: لا شلومو ولا يتسحاك ولا دافيد يا سيدتي. أنتِ تتصلين بكابول. بكابووووول. فسألت السيدة مستغربة: كابول؟ ماذا يعني ذلك؟ فأجبتها: كابول يعني أفغانستان..طالبان..القاعدة..بن لادن! فصرخت السيدة مرعوبة: وا..وا..ويلتاه!!
وأظنّ – وبعض الظن إثم – أنّ قطعة من ملابسها قد تبللت.
