اعتدنا أن نصف كل حكم أو قرار لمسؤول، يراوح بين الظلم والعبثية والحماقة أحياناً، بأنه حكم كحكم قراقوش. هكذا تذكر التاريخ هذه الشخصية وهكذا تلقتها العامة، إرثاً ثقافياً مهيمناً. كلما سمعنا عن قرار أو حكم إسرائيلي في قضية طغى عليها الإجحاف، وصعب على العقل استيعابها واستساغتها، سارعنا لوصفها بنسبها إلى قراقوش.
مهما نسب إلى هذه الشخصية من ظلم وغرابة تبقى أفعال إسرائيل ومؤسساتها القضائية رائدة ومنفردة لا يجاريها قراقوش المتخيل ولا، طبعاً، قراقوش الحقيقي، فسأكتب ما سأكتب كي لا نظلم قراقوش.
وقصة اليوم جرت أحداثها البسيطة قبل سنوات في القدس وقبل إحكام إسرائيل قبضتها وإتمام بناء سور الفصل العازل في الجهة الشمالية وتحديداً في منطقة ضاحية البريد التي غدا نصفها في المناطق الفلسطينية ونصفها الآخر في إسرائيل.
في تلك الأزمنة نصبت إسرائيل حواجز عسكرية، مهمة الجنود فيها منع دخول الفلسطينيين إلى القدس، باستثناء من كان محظوظاً وتزود بتصريح ملائم يخوله مثل هذا الدخول.
إضافة لهذه الحواجز جابت دوريات حرس الحدود الإسرائيلي مناطق التماس واعترضت كل راجل أو راجلة وأخضعتهم للفحص والتدقيق. حينما اكتشفت أي فلسطيني "متسلل" أوقفته وحررت بحقه مخالفة ودعوة للمحكمة العسكرية.
كنت في بيتي المحاذي لهذه المنطقة وإذ بشاب فلسطيني عرفته وعرفني منذ سنوات، جاءني مخطوفاً وبيديه استدعاء لحضور المحكمة وإيصال لدفع غرامة مالية، فإحدى دوريات حرس الحدود، التي لا تنام أعينها، اعترضته واكتشفت أنه من هؤلاء الممنوع دخولهم لمنطقة القدس ولهذا فهو متسلل غير شرعي ومجرم تتوجب محاكمته.
اصطحبته في سيارتي ودخلنا منطقة المحكمة العسكرية. اتجهت وإياه إلى مكتب المدعي العسكري العام. بعد التحية والسلام جلست وبيدي الاستدعاء. المدعي العام يقرأ ويهز برأسه ويطمئنني ويقترح إنهاء "الملف" باتفاق يقضي بدفع غرامة مخفضة وذلك احتراماً وتقديراً لي ولأن القضية بسيطة وأخذاً بعين الاعتبار أقوال موكلي "المتهم" الذي أفاد، هكذا دوَّن جنود الدورية، أنه يأسف على فعلته وأنه كان بطريقه إلى الفرن القريب من المنطقة لشراء بعض الأرغفة لعائلته، واعداً إياهم بأن لا يكرر فعلته وطالباً السماح منهم.
استأذنت المدعي العسكري وطلبت أن يسمح لصاحب الشأن بالدخول إلى غرفته. دخل موكلي وما أن رأى المدعي بثيابه العسكرية ودرجاته التي تزين الكتف والصدر منه، ذعر وبدأ يحرك يديه إلى أعلى وإلى فوق مصدراً أصواتاً كأنها كرات برد تنقر صفيح بيته/ كوخه في المخيم الذي يسكنه.
على وجه المدعي العسكري بدت علامات ابتسام حَرِج. نظر إلي مندهشاً، دهشة سفينة تغرق، فبادرته منقذاً وموضحاً أن المتهم الذي أمامه أخرس وأطرش ولذلك استعان بالإشارة والـ"هتورة" عساهما تشفعان له عندك.
طأطأ المدعي العسكري برأسه وأخذ ذلك الاستدعاء ومزقه. طلب مني أن أصطحب موكلي وأعيده بريئاً من حيث جاء، أما عن ذلك الجندي، الذي "أبدع" حينما كتب زوراً كلاماً على لسان فلسطيني حرمه الله نعمة الفصاحة والكلام، قال: أتمنى أن يكون هذا استثناءً ورجاني أن أفهم وأتفهم، ففي النهاية هو حادث بسيط مقارنةً بما نسمعه ونقرؤه عن حوادث خلفت ضحايا وحيكت حولها قصص وشهادات تجافي الحقيقة.
من بين آلاف الملفات التي تابعتها في مسيرة عملي تذكرت هذا الملف على بساطة أحداثه، لما يحمله من عبث وحقيقة. تذكرته عندما قرأت مؤخراً عن تبرئة سائق سيارة اتهمه شرطي أنه استعمل هاتفه الخليوي خلال قيادته وتحديداً على أذنه اليمنى، فبعد أن اقتنعت المحكمة بأن هذا المتهم لا يسمع في أذنه اليمنى اضطرت إلى تبرئته من التهمة المنسوبة إليه.
لا أعرف الشرطي محرر المخالفة ولا أعرف إن كان خريجا لتلك الوحدات التي عملت في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكني أقول أن لا فرق ولا أهمية لذلك، فجهاز يسمح، أحياناً، لحصول مثل هذه "الفبركات" في صفوفه، أولاً في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا يستطيع منعها واستئصالها من بين صفوفه داخل إسرائيل. جهاز يبدي قدراً كبيراً من غض النظر عن انتهاكات شبه يومية لحرمة الإنسان ولقواعد القانون القويم في الأراضي المحتلة يربي عملياً سوسه الذي سينخر حتماً قوامه أينما حل وكيفما عمل.
عاد موكلي بصحبتي وكان فرحاً، بيد أنه لم يعرف حقيقة ما جرى في تلك الغرفة. من إشارات يديه وتعابيره المتدفقة فهمت أنه يعتز بي وبمعرفتي واليوم تيقن، من تجربته الخاصة، أني محام فذ !. لم أعرف كيف أشرح له حقيقة ما حصل ولا أعرف كيف كانت ردة فعله لو عرف؟ لكني تخيلت أنه سيردد كما ردد آخرون سمعوا هذه القصة ومثلها كثيرات أنه حكم قراقوش يا أخي. شكرت الله أنه عاجز ولن يستعين بقراقوش لأنني كنت مضطراً ساعتها أن أطلب منه أن لا يظلم قراقوش، فهذا وبالرغم مما استبطنته العامة وخلفته الرواية والموروث الشعبي عنه لم يكن حقيقة بمثل هذه الحماقة والظلم، بل كان خادماً وقيل مساعداً لصلاح الدين الأيوبي الذي كلفه وولاه على كثير من المهمات والمسؤوليات نجح بأدائها وأبرزت قدرته على القيادة والتخطيط والتنفيذ. أما ما لصق به من أحكام تراوح بين الظلم والعبثية والحماقة كان نتاجاً لما كتبه أحدهم، الأسعد بن مماتي، نكاية وتجريحاً على غير وجه حق، في مؤلف أسماه "الفافوش في أحكام قراقوش" فغلب الفافوش الواقع وأصبح قراقوش مثالاً لما أصبح عليه.
عجز موكلي أنقذه من "عدل" محكمة عسكرية وأنقذ كذلك قراقوش منه، أما أنا فأعفيت من محاولة إقناعه بأن لا يظلم قراقوش، ذلك الذي كرسته الذاكرة والموروث وذاك الذي لم ينصفه التاريخ على ما في الكتب.
فما بين العُقاب وهو ما تعنيه بالعربية قراقوش التركية وبين العِقاب الإسرائيلي يبقى الحاضر ومآسيه شاهداً على من أظلم.
