أجمع القدماء على أنّ حياة الإنسان تعتمد على الغذاء والهواء والماء فإذا بُتر أحد أضلاع هذا المثلث المتساوي الأضلاع انبترت الحياة معه، وأما الكاتب الكبير طه حسين فقد أضاف ضلعا رابعا عندما قال إن حياة الإنسان تعتمد على الغذاء والماء والهواء والعلم فالإنسان الأميّ لا مكان له على سطح الأرض في هذا العصر. وأعتقد أنّ الحضارة الإنسانية حوّلت الشكل الرباعي إلى شكل سداسيّ حينما أضافت ضلعين آخرين هما: الملبس والمأوى نظرا لأهميتهما في حياة الإنسان العصريّ المدنيّ وقد عمل الإنسان بجدّ ونشاط وإبداع لتأمين وتطوير هذين الضلعين مما خلق نهضة عمرانية وشكلانية في عالمنا إلا أنّ الثورة التكنولوجية والثورة العلمية النشطتين أضافتا ضلعا سابعا هاما وهو العلاج الطبيّ الأمر الذي رفع معدل عمر الإنسان وهذا يظهر جليّا إذا قارنا معدل عمر الإنسان في الدول الإفريقية والأسيوية والأوروبية فالفرق واسع وشاسع كمّا وكيفا فمعدل عمر الإنسان في أوروبا الغربية هو ضعف معدل عمره في معظم الدول الإفريقية.
واعتقد أنه لا معنى ولا قيمة لهذه الأضلاع السبعة بدون ضلع ثامن هو العمود الفقريّ للحياة وهو الضلع الأسمى والأرقى والأهم ألا وهو الحرية. فأي طعم للغذاء وللماء بدون الحرية ، وما الفرق بين هواء السجن وهواء البر وما قيمة العلم والمأوى والملبس في حياة بدون حرية وما الحاجة إلى العلاج الطبيّ والعمر الطويل إذا عاش الإنسان ذليلا ومهانًا؟ وأظن أنّ أرذل العمر ليس الشيخوخة والهرم بل العيش بدون حرية.
تنعدم حرية الانسان في ظل النظام الاستبدادي الذي يسلبه حق الكلام والحركة والاضراب والتظاهر والكتابة والتعبير والتفكير والحلم وأما أعلى درجة في النظام الاستبدادي فهو الاحتلال العسكري الذي يسلب الإنسان حريته وكرامته وغذاءه وماءه وهواءه وأرضه وبيته وعمره وحلمه.
لم يبق في عالمنا احتلال واستعمار سوى احتلال العراق وأفغانستان وفلسطين ولا شك بأن أطول احتلال هو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وهو ليس الأطول فقط بل الأسوأ والأشد لؤما وإذلالا لأنه يسلب الفلسطيني أرضه وأحيانا بيته كما يسلبه حريته وكرامته ويمنع تنقله ويعتقله متى يشاء ويحاصره في غيتوات ويعمل على إذلاله واهانته ويقتل أبناءه بدون محاسبة.
ترفع الشعوب العربية بحماسٍ في هذه الأيام في عدة أقطار الشعار الثوريّ " الشعب يريد إسقاط النظام " وإذا كان شبان فلسطين قد بدأوا يهتفون في الساحات والشوارع " الشعب يريد إنهاء الانقسام " فهم يدركون أنّ هذا الشعار خطوة أولى ضرورية في سبيل شعار " الشعب يريد إنهاء الاحتلال " وأعتقد أنّ شبان وشابات شعبنا سوف يبدعون في الأشهر القليلة القادمة ثورة سلمية شعبية تعمّ القدس والضفة والقطاع وتكسب الرأي العام العالميّ وتربك المحتل وتجعله " يحمل شراشه ويرحل" لأنه آن للاحتلال أن يزول فالحرية هي الأصل وهي الأساس وهي العمود المركزي في الحياة.
