زيت مريم

single

 مريم.. صبية ترشحانية. كانت ذات يوم تزهو بكامل حيوية الشباب، وكان لأبيها حقول زيتون في ترشيحا.. وكان للزيتون المكان الأوسع في قلبها.. تفرح بقطافه حبة حبة.. تفركها بأصابعها لتعيد لها لمعانها، تتأملها ثم تضعها في سلال القطاف. فحبة الزيتون أيقونتها المقدسة.
في عام النكبة، وجدت نفسها تسير مرغمة في درب جلجلة ستغتال صباها وشيخوختها. كان قدرها أن تنتهي في مخيم برج البراجنة.. انتهت مدة انتظارها في منفاها القسري... خمسة عشر يوما ولم تعد.. تعدّ الأيام والأشهر والسنوات والعقود.. أعياها العدّ، وأخذتها تفاصيل الحياة.
صارت تستظلّ خيمة لا تقي حرا ولا تردّ بردا.. بعد أن كانت تجلس في ظلال شجرات زيتون، زرعها أجدادها.. وتخمّن عمر شجراتها، بأعمار من زرعوها... فتلك الشجرات قام الجدّ بزرعها، وتلك والد جدّها... وشجرة يافعة زرعها والدها يوم مولدها.. وكانت تسمّيها مريم.
مريم الآن رهينة خيمة. وشجرتها رهينة احتلال، ربما قام باقتلاعها.. لكن مريم لم تفقد رغبتها في الحياة، ولا بإصرارها على مواصلة عشقها الاول. قامت بتطريز شجرات الزيتون على الأثواب والشالات الفلسطينية... ومع كل شجرة تكتمل على الثوب، تستعيد زيتونها الضائع.
مريم الدقاق.. سحبها الزمن الى مراحل الشيخوخة المتقدمة. رفضت السكن خارج المخيم. كانت تقول: جئت من ترشيحا الى " جورة التراشحا" في مخيم برج البراجنة.. وسأعود منها الى ترشيحتي.. هاي الله خلقها لي!
ذات يوم، جرجرت الحاجة مريم، نفسها الى محل حسام عرار في برج البراجنة. كان يجلس خلف مكتبه، وأمامه وحوله.. اصطفت كل وسائل التكنولوجية الحديثة، والتي تعينه على التواصل مع الوطن وأبنائه في طول الأرض وعرضها. قالت مريم: شوف يا "ابو يوسف": راح العمر.. وبنفسي حسرة.. أريد أن أتذوق طعمة زيت زيتون ترشيحا قبل ما أموت.. إحكيلي مع التراشحا يبعتولي قنينة من زيت ارض أبوي!
من عيوني يا حجّة! أجابها ابو يوسف.
اتصل ابو يوسف بباسل طنّوس في ترشيحا وطلب منه الزيت. بعد أشهر قليلة وصلت قنينة الزيت الى مكتب ابو يوسف. طار فرحا حمل الأمانة وأسرع الى مريم حاملا الغنيمة. وعاد منتشيا بتحقيق أمنية تعني الكثير له ايضا. لكن أزعجته الكتابة العبرية.. معالوت/ ترشيحا.
صباح اليوم التالي، جاءته مريم غاضبة. إسمع يا "أبو يوسف".. أنا ما خرّفت لسّه! هادا مش زيت ترشيحا اللي طعمتو بعدها تحت أضراسي! حمل أبو يوسف الزيت للحاج محمد فوزي طه، كبير التراشحة وعميدهم. الذي أكد عدم ترشحانية الزيت! عاد ابو يوسف الى مكتبه وشغّل كل وسائل الاتصالات. أكد طنّوس تسليمه زجاجة الزيت وبدون كتابة.
لم يدر في خلد أحد، أن كل شيء فلسطيني، سوف يلقى معاملة الإنسان الفلسطيني.. فالحدود والسدود موصودة في وجهه. وكذلك زيت فلسطين.. فالحواجز والمعوقات كثيرة. من توفر الشروط الصحية، الى كتابة اسم المصدر عليها، وعبور الحدّ الفاصل بين فلسطين وفلسطين.. واجتياز الجسر قبل دخول عمان.. وفي رحلة الحواجز والحدود، فقدت قنينة الزيت ولم يعرف مصيرها، ولم يعلن أحد رؤيتها! عرف أبو يوسف أن أحد المكلفين بالموضوع قد اشترى قنينة بديلة من سوبرماركت في الاردن.
سجلت قنينة الزيت الفلسطيني في سجل المفقودات. وماتت مريم التي فقدت أضراسها منذ زمن طويل، لكن بقيت طعمة زيت ترشيحا في فمها!
قد يهمّكم أيضا..
featured

الحرية واللباس

featured

ارهاب عنصري

featured

"إصحَ يا بلدي"

featured

العلم الفلسطيني استحقاق دولي

featured

لطيف: أنا يهودي عربي

featured

معركة هوشة (الحلقة الثالثة والاخيرة)

featured

معارضة مسلّحة على "كيف" الصهاينة

featured

هل يتمرد القرد على خالقه؟