لم تحمل الوثيقة التي عمّمتها وزارة الخارجية الإسرائيلية على سفرائها وكبار مسؤوليها مفاجآت كبرى، إلا أنها تعبّر عن أمرين أساسيين: الأول هو أزمة إسرائيل السياسية العميقة، والثاني هو طابع التحالف والمصالح المشتركة بين دولة إسرائيل وبين الإمبريالية الأمريكية، وتواطؤ الرجعية العربية معهما.
إنّ السبب الأساسي لأزمة إسرائيل هو تنكّر حكّامها لمقوّمات الحل السياسي العادل للقضية الفلسطينية، وإصرارهم على إجهاض قيام دولة فلسطينية مستقلة في حدود 1967، وما يترتب على هذا من عزلة دولية في العالم ومن عجز عن الرد سياسيًا على الخطوات الفلسطينية المرتقبة لتدويل الملف الفلسطيني وطرق أبواب الهيئات الأممية. وهو ما يؤجّج قلق إسرائيل مما يسمى "خطر نزع الشرعية"، وسعيها المهووس لوصم كل معارضي السياسات الدموية والكولونيالية الإسرائيلية بتهمة "العداء للسامية".
ويمكن أن يُقرأ بين سطور الوثيقة تراجع وزير الخارجية ليبرمان عن تنظيرات سابقة له بشأن تحالفات دولية بديلة للتحالف مع الولايات المتحدة. إذ تركّز الوثيقة على أن العلاقة مع أمريكا هي "المرساة الأساسية" للأمن القومي الإسرائيلي.
ويتبيّن أيضًا تخلي إسرائيل حتى عن التلويح بالعدوان على إيران، ويأسها من حث الغرب الاستعماري على عدوان كهذا. إذ تتعامل الوثيقة مع تعاظم قوة إيران ونفوذها واقترابها من القدرة النووية كتحصيل حاصل لم يعد من الممكن منعه، لذا فالمطلوب هو ضبطه وتخفيف أضراره.
وفي الملف الفلسطيني يظهر عجز إسرائيل عن التعويل على أي شيء سوى ربيبتها الولايات المتحدة، لفرض حق النقض (الفيتو) ضد أي تحرّك فلسطيني في مجلس الأمن، ومنع أي حراك دبلوماسي فلسطيني "أحادي الجانب"، أي خارج الوصاية الأمريكية العقيمة.
بالمقابل، فمن الواضح تعويل إسرائيل على "حلفاء" من المنطقة ضمن "تسويات إقليمية"، وهي نغمة يعزف عليها أيضًا نتنياهو منذ العدوان على غزة وإفشال جولة المفاوضات الأخيرة. والأرجح أن الحديث يجري عن تركيا والسعودية وقطر وغيرها من الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة، والتي بدورها تبحث عن تثبيت مكانتها ونفوذها في الخارطة الإقليمية الجديدة الآخذة في التشكّل بعد فشل المؤامرة على سوريا.
وتؤكد هذه الوثيقة، مجددًا، أنّ النضال ضد الصهيونية، مرتبط، عضويًا، بالنضال ضد الاستعمار وضد الرجعية، بالضرورة!
()
