يفصل بين ابن خلدون، المؤرخ والفيلسوف وعالم الاجتماع العربي ذائع الصيت، وبين فرانس فانون، الفيلسوف الفرنسي ذي الجذور الأفريقية، خمسة قرون ونيف، ومع ذلك نراهما يشخصان فيما كتبا السيناريو والحيثيات والانعكاسات الممكنة للانتفاضة الأخيرة للشعب التونسي والتي أطاحت بالرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي.
من حيث سيناريو الحدث وحيثياته، يمكننا أن نراه قد كتب من قبل ابن خلدون في كتاب المقدمة ( الذي كان قد كتبه وهو سجين في قلعة بني مرين في تونس ) ومفاده أن ضعف الأنظمة السياسية المعتمدة على القوة والبطش يكمن في اعتقادها الراسخ بقوتها وثباتها واستبعادها لإمكانية ظهور أية قوة من الأطراف والهوامش يكون من شأنها زعزعة ذلك النظام وهدم أركانه وبناء نظام جديد يعمل على تغيير ما ميّز النظام السابق من صفات. وهذا، كما يبدو، ما كان في الانتفاضة التونسية الأخيرة حين وضع نظام زين العابدين بن علي جل اهتمامه قبالة قوى المعارضة ( القوى الإسلامية والقوى اليسارية والقومية ) التي كانت تتقاسم معه حيز المركز والتيار العام، ولم يدر في خلده أن يحصل ذلك من قوة أراد لها النظام، من خلال سلوكياته في الحكم، أن تقبع على هوامش الحياة السياسية في تلك البلاد.
أما فانون ( الذي كتب في الفترة التي سعت فيه الشعوب المستعمرة لنيل استقلالها بعيد نهاية الحرب العالمية الثانية ) بأن ما يخشاه هو أن تستبدل هذه الشعوب شرطي الاستعمار الأبيض بشرطي أصلاني من أبناء البلاد، يتحدث لغتها ويتمتع بخيراتها ولا يتورع عن قمع وظلم أهله وأبناء جلدته بشكل أكثر فظاعة وفظاظة من شرطي الاستعمار الأبيض.
للسيناريوهات التي كتبها ابن خلدون وفانون سياقاتها التاريخية والاجتماعية والسياسية المختلفة وهما، بطبيعة الحال، لم يقصدا تونس دون غيرها من البلدان، ومع ذلك فإن ما قالاه، كل في سياقاته وظروفه المختلفة، ينطبق بشكل شبه تام على ما حصل في تونس منذ استقلالها وحتى انتفاضتها الشعبية –المدنية الأخيرة. وهو ينسحب أيضا على معظم البلاد العربية الأخرى التي تحقق فيها سيناريو فانون ولم يتحقق فيها بعد سيناريو ابن خلدون.
ومن نافل القول التأكيد على أن ما جرى في تونس هو فتح جديد في كل ما يتعلق بالعلاقة بين الأنظمة والشعوب في البلاد العربية المختلفة، فهي المرة الأولى التي استطاعت فيها انتفاضة شعبية مدنية محضة أن تقلب نظام حكم متسلط ومتجبر، حكم البلاد بيد من حديد وأشبعها قمعا ورعبا دون الاستعانة بقوة الجيش الذي كان، حتى الآن، أداة التغيير الأساسية في حقبة ما بعد الاستعمار في البلدان العربية المختلفة. والجديد هذه المرة في عدم تدخل الجيش وقد يكون رفض قادة الجيش التونسي التدخل لصالح النظام ( كما فعلت الشرطة التونسية ) هو العامل الحاسم في تسريع سقوط النظام وهروب رؤوسه من البلاد. والسؤال يبقى كيف للشعب التونسي أن يستغل هذا الفتح والعمل الطلائعي لخدمة مصالح الشعب العامة، وكيف له أن يجنب نفسه مآرب ومطامع المتسلقين والانتهازيين الذين يسارعون، في مثل هذه الحالات، لاستغلال حالة البلبلة وعدم الوضوح بغرض الانقضاض على مكاسب الشعب من هذه الانتفاضة المباركة والتي صفقت لها الجموع من المحيط إلى الخليج بل تعدى ذلك إلى كل الراغبين بمصالح الشعوب في أصقاع العالم المختلفة. على قدرة الشعب التونسي تخطي هذه المرحلة الانتقالية بنجاح تعلق آمال كل من يرغب في أن تشكل الانتفاضة التونسية مثالا يحتذى في باقي البلدان العربية التي تعاني الظروف ذاتها. وكي يحدث ذلك على الجميع أن يصلي بأن لا يستبدل الشرطي الأصلاني المخلوع بشرطي أصلاني آخر يكون من شأنه أن يؤخر بل يئد كل أمل بانفراط عقد أنظمة القمع والاستبداد.
