الشيطان الأكبر ولعبة الشطرنج

single



المتمكنون من لعبة الشطرنج يمكنهم أن يلاعبوا أكثر من لاعب في آن، يصل أحيانا إلى الخمسين ويهزمون أغلبيتهم!
أمريكا ما زالت القوة الأولى في العالم على الرغم من التصاعد الملحوظ للصين وروسيا ومنظومات غير خاضعة لهيمنتها كمجموعة "البريكس".وهي بالتالي في محاولاتها للسيطرة على العالم بما تمتلك من إمكانات و"قطع شطرنج" يمكنها أن "تلعب" أكثر من لعبه في آن. وبطبيعة الحال هي تلعبها، ونقول بكل موضوعيه، كشيطان! لا يعير أي أهمية لأي قيم إنسانية، إلا بالمقدار الذي يخدم مصالحه ولو كان ثمن ذلك القتل والوبال على باقي الشعوب وهو ما يتحقق على الأغلب نتيجة تدخلاتها في شؤون شعوب العالم.
وعليه فإن أهم عناصر القوة لديها هو نجاحها في ان يتقبلها العالم كملاك ومنقذ للعالم! ومن يقع بالفخ ولا يرى بها شيطان رجيم، يكون قد سهّل عليها كثيرا تأدية دورها الشيطاني. فتكون "اللعبة" ضد كل من يتجرأ على سيادة أمريكا ومعسكرها. وهي بتفوقها التكنولوجي والعسكري والمعلوماتي وبسيطرتها على بعض الدول الضعيفة والغنية بالخيرات الطبيعية بالإضافة إلى ما  لديها هي من خيرات ، تهيمن اقتصاديا وتتربع في القمة بين الدول التي تدور بفلكها.
وهذه الدول تصنف بحسب قوتها فان كانت قوية وغنية كبعض الدول الأوروبية تتعامل معها أمريكا بكونها شريكه  ،  "شياطين أصغر" ، لها مساحه واسعة من حيث استقلاليه القرار والسعي لتحقيق مصالحها الخاصة عبر شراكة تبقي أسهم الأغلبية المقررة باليد الأمريكية. وان كانت بالمستوى الإقليمي كتركيا فانه يتم التعامل معها بما يتناسب بحيث تكون المساحة في كل ما ذكر أضيق مما تتمتع به الدول الأقوى. وفي المستوى الأدنى تأتي اغلب الدول العربية التي تستفيد أمريكا من بعضها تماما كما يفعل النمل حين يسمّن المن ليتغذى به لاحقا ولكن المميز عن النمل في علاقة أمريكا بتلك الدول العربية هو أنها ليست بحاجه إلى تغذية "منَّها" !
وما يميز أمريكا عن لاعب الشطرنج القوي هو أنها اليوم لم تعد بحاجه إلى اللعب بجنودها وضباطها بشكل مباشر كما فعلت بالماضي في فيتنام وكوريا وأفغانستان. ذلك أن الاستغلال الذكي للأدوات التيهي تحت سيطرتها يمكّنها أن تحقق نتائج أفضل من تلك التي يمكنها ان تحققها فيما لو تدخلت بشكل مباشر. وهذه النتائج تتحقق بالأساس عبر القدرة الهائلة على جمع المعلومات سواء عمن في معسكرها او من يتصدون لها ويبدأ ذلك بالاستعانة بأبسط الوسائل بالتجسس البشري بكافة مستوياته مرورا بالأقمار الصناعية ولا تنتهي بالشبكة العنكبوتية (الانترنت) التي كشف مؤخرا "ادوارد سنودن" (عميل المخابرات السابق) كيف أنها مكشوفة أمام أعين " سي. آي إيه"، بكل استعمالاتها حتى عن المواطن الأمريكي البسيط والدول الأوروبية وبشكل أعمق واقوي عن الكثير من الدول العربية.
بعد جمع المعلومات وفرزها بمعونة أكبر حواسيب العالم وطواقم الخبراء، يتم توظيف ما يفيد منها لتحقيق مصالح أمريكا بالأساس ويستفاد منها لتحقيق الكثير من المكاسب بما فيها توفير الظروف المناسبة لوقوع أحداث معينه تخدم تحقيق أهدافها! ولنا أن نتخيل الإمكانات الهائلة في التأثير التي تتوفر لقوة مثل أمريكا حين تتوفر لها معلومات بكم هائل، يكفي أن نتخيل أنها قد رصدت الاتصالات الأولى لتشكيل تنظيم داعش وإن أضفنا لذلك دور مخابراتها، بعد تزويدها بالمعلومات الدقيقة، بالتأثير المباشر في تطور بنية داعش وإستراتيجيته يمكننا أن نفهم الكثير من التطورات اللاحقة!
كانت مخابراتها في السابق تلجأ إلى اغتيال الزعماء الذين كرسوا حياتهم لاستثمار خيرات بلدهم لصالح أهله، دون أن يمكنوا أمريكا من استغلالهم فكان هذا نصيب مصدق إيران وسلفادور أييندي بتشيلي وغيرهم كثيرين. وتلجأ إلى افتعال أعمال الشغب والانقلابات وحتى الحروب التي تخدم مصالحها وإن قتل الكثير من الأبرياء جراء ذلك.
لكنها اليوم يمكنها مثلا أن تراقب لعبة "الشطرنج" التي تلعبها أدواتها بشرقنا العزيز ولكن تحت إشرافها ورقابتها وعينها لا تغفل عن اللعب الأخطر والاهم بالنسبة لها مع الصين القوة الصاعدة وتحالفها مع روسيا.



*هدف معلن وآخر مخفي*


لمدة قاربت الأربع سنوات بإدارة ورقابة أمريكية منحت الضوء الأخضر لتركيا وقطر والسعودية والإمارات والكويت والبحرين والأردن في دعم وتدريب الجماعات المسلحة في الحرب الهادفة لتدمير سوريا. والآن وبعد فشل كل الأحابيل التي كشفتها القيادة السورية وهزمها الجيش العربي السوري آن أوان طرق خداع أكثر تركيبا وتعقيدا، تقتضي حضور أمريكا بنفسها للمنطقة ولكن ،أو كما يتم الإعلان عنه، في الجو فقط مع وجود يتزايد على الأرض لما يسمى الخبراء والذين هم بأغلبيتهم رجال استخبارات. والهدف المعلن هو مكافحة داعش وفي حقيقة الأمر ما يحصل على ارض الواقع هو ازدياد توسع داعش تحت رقابة الأمريكي ورعاية التركي. إذ أن بايدن بلقائه مع أردوغان طلب منه أن يستعد لساعة تأتي اللحظة المناسبة لاستدعائه من مقاعد الاحتياط، فهو الآن بدباباته يقف بالانتظار على أمل تحقيق حلم السيطرة على منطقة عازله بسوريا. وهو يقف موقف المتفرج على ذبح اكراد سوريا في عين العرب ، يمنع عنهم المدد ويحول دون قدوم اي مقاتل لنجدتهم بينما يتم اكتشاف نفق من تركيا إلى سوريا يأتي منه المدد لداعش في معركته ضد عين العرب.
وزير الخارجية الأمريكي جون كيري يصرح أن إنقاذ عين العرب ليس هدفا أمريكيا استراتيجيا فالطيران الأمريكي يضرب بعض آليات داعش وباليوم التالي نسمع عن تعزيزات جديدة حصل عليها داعش. ومع ذلك فان صمود أحفاد وحفيدات صلاح الدين البطولي يساهم بازدياد موجات الغضب لدى ثلث سكان تركيا الأكراد مدعومين من القوى اليسارية التركية. فهم لن يتقبلوا الموقف التركي الذي يهدف من ناحية لعقاب أكراد سوريا ولقتل فكرة الحكم الذاتي التي أعلنوا عنها ومن ناحية أخرى إلى ابتزازهم بمطالبته إياهم إعلان ولائهم لصديقه مسعود البرزاني والابتعاد عن عبد الله أُوجلان.
أمريكا تعلم أن ما خطته إسرائيل بخطى عملية مع جبهة النصرة في منطقة الجولان كمحاولة لبناء منطقة عازله، من الصعب أن يمر بنفس السهولة مع تركيا حيث إمكانية التحرك الإيراني والروسي تصبح واردة جدا. وقد نجحت أمريكا في تغذية "لعبة" أوكرانيا مع روسيا، لكن إن كان حزب الله قد اثبت قدرته على أن "يلعب" أكثر من "لعبة" في آن، فكيف إذا بدولة عظمى كروسيا..
ومع ذلك فإنها لا تكون حركات متهورة باللعبة لو حظي الحصان التركي الجامح ببعض التأييد الكلامي لفكرة المنطقة العازلة، من قبل الرئيس الفرنسي بشكل مطلق والبريطاني باستحسان للفكرة ومن كيري بشكل ايجابي لتكون في المرحلة الحالية بمثابة فتّاشات جس نبض.
فقد تهافتت ذئاب وثعالب وضباع الغرب حين اشتمت رائحة وليمة، قد تتوفر في سوريا، وأعلنت كل من فرنسا وبريطانيا واستراليا وكندا وغيرهم من الدول الغربية عن انضمامهم للتحالف ولكن فقط ببعض الطائرات! الأكيد هو أن تكلفة أمريكا المادية في هذه المشاركة، وهي بالمليارات، ستتم تغطيتها بالكامل من قبل دول الخليج وبهذا الحشد يكون من الممكن دفع تطور الإحداث بما يخدم المصالح الأمريكية ولكن بصبر وحذر. فما المانع من استمرار هذا الحال لسنوات طويلة في أسوأ الأحوال يتواصل دمار سوريا وتأخر العراق ليبقى بحاجه لأمريكا وخبرائها ولتستعيد ما خسرته به من نفوذ، كنتيجة لانسحابها اثر ضربات المقاومة العراقية.
في أحسن الأحوال يتحقق لأمريكا بناء الجيش "السوري" صاحب العقيدة الأمريكية الذي يتم تدريبه بالسعودية وبتمويلها.



*تخرب لتعيد خلط الأوراق*


لقد كانت رائعة هزيمة أمريكا والسعودية في اليمن لكنها لا تتقبل هزيمتها وهي تسمح لنفسها بان لا تلتزم بآي قواعد في "لعبها". حين تخسر، وتبحث عن إمكانات التخريب والتعطيل لتعيد خلط الأوراق مهما كلف ذلك من ضحايا وخسائر. خاصة وأنها ما زالت تمتلك الكثير من الأدوات باليمن والتي تؤدي الغرض فما زال الرئيس الرسمي تابعا وخاضعا لتأثيرها وتأثير السعودية وما زالت المخابرات السعودية مدعومة بالأمريكية قادرة على تفعيل ما أوجدوه مما يسمى بعناصر القاعدة باليمن.
مقابل كل ما ذكر من المفيد التأكيد على أن الفوز بأية "لعبة" ضد أمريكا وإسرائيلها لا يمكن أن يتحقق إن لم يدرك من "يلاعبها" أنها الشيطان الأكبر وبالتالي يتوجب عليه الحيطة والحذر أولا ومن ثم الإعداد والتحضير والتخطيط الملائم. لقد كانت هذه جميعا الأسباب الأساسية في صمود الجيش العربي السوري ونجاحه بإفشال كل المؤامرات التي حيكت ببراعة وبإمكانات هائلة لغاية الآن. وكذلك الأمر بالنسبة لرجال حزب الله والمقاومة الفلسطينية بالإضافة إلى إيمانهم القوي الذي يفتقده عدوهم.
فالعملية التي قام بها مقاتلو حزب الله في مزارع شبعه المحتلة كانت "ضربة معلم" من حيث الزمان والمكان والأداء والمقدرة العالية والنتيجة الناجحة التي فرضت قواعد لعبة جديدة على الإسرائيلي الذي تفاجأ بها وكان رده لأول مرة ورغم إعلان حزب الله تبنيه للعملية " سنرد بالزمان والمكان المناسبين"!. فقد كان الجيش الإسرائيلي في أعلى درجات الاستعداد، بعد أن اعتدى قبل العملية بيومين وجرح جنديين لبنانيين وقبل ذلك اعتقل أكثر من راعي لبناني وتسبب، بعد انكشاف أجهزة تجسس تابعه له بلبنان، باستشهاد المهندس المناضل، والذي حملت المجموعة التي نفذت العملية اسمه - حسن على حيدر. كما أن المكان الذي فجرت به الدبابة الإسرائيلية وجرح ثلاثة جنود محمي بكافة وسائل الحماية التي نعرفها والتي لا نعرفها من دوريات دائمة وطائرات بدون طيار للمراقبة إلى وسائل الكشف بالأشعة الحرارية والكاميرات. من بين أهم الأسباب التي أدت إلى تحقيق هذا النجاح وغيره مما سيتحقق هو افتقاد إسرائيل للمعلومات التي هي متوفرة لها ولأمريكا بكثرة عن الكثير من "الدول" و "الزعامات" العربية وفسادها وفضائحها والتي تم ويتم استغلالها بشكل مثمر ومجدي جدا لأمريكا وإسرائيل.
ونختم بحقيقة نشرتها منظمة "أُوكسفام" تبين جانبا مهما من "أخلاقيات" سياسة الرأسمالية الأمريكية التي توضع وتنفذ لخدمة ومصلحة وبقاء فئة قليلة من الرأسماليين. فلو علمت أن ثروة 67 ملياردير أمريكان أو موالين لنظام أمريكا تفوق ثروة 3,5 مليار إنسان، أي نصف سكان الكرة الأرضية، فهل لا توافق أن هذا وضع غير إنساني بل شيطاني؟ وهل لا تجد انه يتوجب عليك كإنسان أن تتخذ الموقف المساند لكل من يقف لأعداء الشعوب بالمرصاد؟       


قد يهمّكم أيضا..
featured

لتوقفْ فتح وحماس حماقاتهما!

featured

الجريمة الجبانة: قناصة ومدفعية مقابل متظاهرين!

featured

- جدري الماء –(1-2)

featured

تعدّد الزوجات ومسؤولية المجتمع والدولة - نقاط لا بد من طرحها!

featured

ميزانية حرب وإفقار وتمييز

featured

فقدنا صوتًا نقيًا صافيًا

featured

المصريون الأعداء