عقود الذهب

single
كيف تصبح أغنية ما صرعة، يتم انشادها في كل مكان: في السيارة، في الشارع، في قاعة الأفراح؟ يدندن كلماتها الكبار قبل الصغار؟ توجد نقاط عامة ولكن لا توجد قاعدة ثابتة. من الممكن أن تكون تلك الأغنية في منتهى السخافة وتحظى، في وقت معين، بشعبية تفوق أغاني أم كلثوم. من الممكن أن تكون أغنية بالغة في الجدية أو بالغة الالتزام. ومن الممكن أن تكون أغنية ساخرة. ولو عرف الناس سر بروز الاغنية ورواجها، لامتلأت حياتنا بأغان لا تقاوم، وجيد أن يقتصر الرواج الكبير على عدد محدود من الإنتاج الفني.
ماذا يوجد، مثلاً، في أغنية "طلع الصباح لك علوش"، حتى انتشرت، في حينه، كانتشار النار في الهشيم؟ هل هو المزج بين الروح الخفيفة المتساهلة مع هذا الشقاء الأزلي؟ هل هو اللحن الجميل المنبعث من التراث؟ أم هل هو الواقع الفلاحي البكر الذي تطرحه الأغنية، وداخل كل منا بعض صداه؟ فنعود لأيام مضت، قبل عشرات السنين، بعد أن انتقل مجتمع بأكمله، في أعقاب النكبة والتهجير، من العيشة الفلاحية البسيطة، من الزراعة والحراثة وتربية المواشي، إلى حياة البروليتاريا؟ حياة فرضت أنماطًا سلوكية جديدة على الناس: السفر للمدينة، الالتزام الصارم بالوقت.
وعدت بذاكرتي إلي تلك المحاولات الأزلية، كل يوم، لإيقاظ جارنا، في الصباح، قبل صياح الديك، من أجل أن "يلحق الباص" للسفر إلى حيفا، قبلة أنظار العمال العرب في الشمال في ذلك الحين. كان الحي كله يفزع، للمساهمة في إيقاظه؛ أمه تحضر له الشاي؛ وأخته الزوادة، بينما هو سادر في أحلامه الممتعة.
وفي حينه انتشرت اصطلاحات غريبة عن مناخ اليوم. هل يوجد اليوم اصطلاح "قطعو الباص"؟ فقد كان هنالك عدد محدود من الباصات في الصباح لنقل العمال من يافة الناصرة لحيفا، وكان من الصعب أصلاً اعتلاء الباص بسبب العدد الهائل من العمال المتوجهين لحيفا، فكم بالحري إذا حضر العامل متأخراً. وكان هناك، لمن لا يعلم، اصطلاح "راحت عليه نومه". هل يوجد اليوم ذلك البطل، فاضي البال، الذي تروح عليه نومه، في ظل الركض المحموم وراء لقمة العيش؟
ونعود للأغنية بعد أن شططنا في الحديث إلى الأيام الخوالي، لمناقشة أسباب صعود عمل فني ما. باعتقادي أن  الإبداع هو السبب الأول وهو السبب الأخير، وبينهما الظروف والحالة والقضية. وهذا الأمر، الإبداع، مخلوق عجيب، تجده أحيانًا بالضبط حيث لا تتوقع أن يكون، فهنالك من يحمل كل ملامح ومكونات الموهبة، ولكنه لا يحمل ذلك الشيء الذي يحُدث الانطلاقة المنشودة. وكما هو الأمر لدى تناول مفهوم الجمال، فكيف من الممكن الحكم على أن هذه المرأة جذابة؟ وحتى لا تزعل النساء، نسأل، كيف من الممكن الحكم على هذا الرجل بأنه جذاب؟ من الممكن الحديث، بدون نهاية، عن تفاصيل الوجه؛ عن الأذنين والأنف والخد والعنق والقامة وما أدراك، ولكن في نهاية الامر هنالك  "شيىء ما"، هو الذي يقرر جمالية المرء/ة أو جاذبيته/ا. وهذا "الشيء الما" غير موجود في التفاصيل. ماذا قال مظفر النواب: " فلا تتهجّى جسد المحبوب، بل اقرأ قاطبة". لأنه قد تكون التفاصيل المطلوبة متوفرة حتى البند الأخير، ومع ذلك يشعر المرء أن هنالك شيئاً ما مفقود، شيء نسميه أحياناً "روح الإنسان"، وهذا "الشيء الما" عصي عن الوصف، يأتي بشكل متباين بين فرد وآخر وهو الذي يقرر الجمالية، أو الجاذبية، بالإضافة إلى جمالية الأجزاء.
هنالك مدارس كاملة حول الكتابة، وهناك القواعد العامة لكتابة القصة والقصيدة، ولكن كل ذلك لا يجعل من الملمّين بها مبدعين. ومع ذلك من الضروري للمبدع أن يدركها ويدرسها.
**
كتبت هذه المقدمة لأن هنالك أمرًا مثيرًا للغرابة، بأنه منذ ثلاثين عامًا، لم نشهد هنالك أثرًا فنيًا يمكن له أن يوازي نتاج الرحابنة أو أم كلثوم أو عبد الحليم أو فريد الأطرش أو عبد الوهاب. فهل نضبت المواهب منذ نهاية السبعينات، وبداية الثمانينات؟ أين غاب المبدعون؟
لغرض كتابة مقال ما عدت إلى مسرحية الرحابنة، "يعيش يعيش"، التي أُنتجت قبل حوالي أربعين عامًا.. بعد هذه السنين الطويلة، عندما تعود لهذا الفن، تكتشف أن ما ننتجه اليوم ما هو إلا خرابيش أطفال روضة على عتبة أكاديمية الرحباني المتألقة. عُد إلى مسرحية "يعيش.. يعيش"، فتجد مسرحية متكاملة ومتألقة، محفزة في كل أوجهها: النص، الدراما، الموسيقى، السخرية، الحوار الفلسفي: العميق والبسيط.
وفكرت بأمرين لتفسير هذا التوقف في الإبداع؛ هل هي طبيعة المرحلة، باضطراباتها السياسية الاجتماعية الفكرية، قد أغلقت آفاقنا؟ هل هنالك رقيب داخلي، داخل كل منا، يكبت إبداعنا؟ أم، وهذا الأمر الثاني، هل هذه الإبداعات كانت ومضة عابرة في تاريخنا المتعب؛ ومضة ارتبطت بنهوض حركة تحرر، ذات أفق اجتماعي سياسي تقدمي ارتبط بأجمل القيم العالمية، قيم كان وجهها السياسي الفكري ينعكس في حركة اشتراكية عالمية جبارة التي التقت مع قيمنا في عهودها المشرقة وسوية أشعت على شرقنا المكافح، بقيم العدالة والمساواة ومكافحة الظلم.
وفي هذا الزمن الذي ترتفع فيه رايات فضائيات فجة وصاخبة، تنتج آلاف المرات مما أنتجته كتبنا على مر العقود، بمضامين فارغة ومحزنة، تؤجج جاهليات وعصبيات وأنماط نقاش وسلوكيات مريبة.. هنالك حاجة لاستعادة إبداعات العقود الماضية، عقود الذهب.
وهذه العودة ليست تعبير عن إفلاس، بل هي العودة للانطلاق من جديد، بقوة أكبر. فما ضير الأوربيين أنهم يعزفون بنفس الحماس وبنفس التأثر سيمفونيات باخ وبتهوفن وموتسارت، وما ضيرهم أنهم يعرضون بنفس القوة والحماس مسرحيات شكسبير الخالدة؟ بالعكس تمامًا. تمضي السنون بينما هذه الأعمال الخالدة تزداد تألقًا وآنية.
ونحن أيضًا، ولا أقل من الآخرين، يوجد لدينا، على ظهر السدة- مهملة حزينة، مجوهرات لا تقدر بثمن، فلنُطلع الأجيال الصاعدة عليها، مثلما حظينا نحن بالاطلاع عليها.
وعندما أضع في سيارتي ديسك مسرحية فيروز، أجد ابنتي، ابنة الخامسة والنصف، تدندن: "يا شاويش الكراكون.. بحياتك لا تأخرنا". وحينما أضع أغنيات الشيخ إمام تردد ابنتي: "وفي ناس مغرمين صبابا.. لو خان زمانهم ما يخونوش".
فلماذا لا يوجد مشروع على المستوى القطري لإعادة إنتاج مسرحيات فيروز؟ لماذا لا نعيد إنتاج أغاني الشيخ إمام، صاحب "شيد قصورك ع المزارع"؟ ولماذا لا نعيد انتاج "الليلة الكبيرة" لصلاح جاهين؟ و لإعادة إنتاج "ليه يا بنفسج، بتبهج، وانت زهر حزين؟"، للعودة لهذه الرقة المتناهية التي فقط عمي بيرم قادر عليها، لتقلم أظافر عنفنا الجامح؟ 
هذا الوقود الروحي، المهمل، بإمكانه أن يشعل قنديلنا المتحفز للإشعاع لقرون طويلة قادمة.
قد يهمّكم أيضا..
featured

أقم قداسك، قم ركعتين، اقرأ بيانك انت في الناصرة (2-2)

featured

مليّف ومكفكف

featured

ما ركعتْ سنديانةٌ ولا خضعتْ شجرة صبّار وهذا الوليدُ أمانةٌ بين أيديكم

featured

ليتحوّل القرار العدواني الى بوميرانغ!

featured

داعشي لمنصب حاخام الجيش

featured

خير دفاع الهجوم