- رغم انتقال أبي السعيد للعيش في الناصرة، بقي حبه الأول لمسقط رأسه ومرتع طفولته، الى البقيعة، البلدة الجليلية الوادعة وطبيعتها الخلابة، والى أرضها الطيبة، والتي اكتسب منها صفاته الإنسانية، ودماثة معشره. ذلك الحب الذي صاغه صورا شعرية رائعة
أعتذر بداية لعائلة الفقيد والحفل الكريم لتعذر حضوري الشخصي حفل التأبين، بسبب التزام طرأ، بحكم مسؤولياتي البلدية، لم تكن لي سيطرة عليه.
بغياب سالم جبران، أبي السعيد، فقدنا أحد وجوه الثقافة الفلسطينية المعاصرة. فقدنا صوتا نقيا صافيا، لشاعر وسياسي ومفكر أغنى حياتنا الثقافية والسياسية والفكرية، على مدى العقود الخمسة الماضية. صوتا امتاز بالصراحة والشجاعة ووضوح الرؤية. امتلك قدرة كبيرة على التحليل تستند الى ثقافة واسعة، وفكرٍ إنساني تقدمي متنور، والى فهم عميق لواقعنا المركّب وخصوصيته، وآفاقه المستقبلية، ومسؤولية مجتمعية ووطنية عالية، وجرأة متحدية لا تهادن، وفوق ذلك كله، الى مرجعية عقائدية التزمت جوهر الفكر الاشتراكي والحلم الإنساني بالتحرر من كل أشكال القهر والاستغلال، حتى بعد أن ترك الحزب الشيوعي تنظيميا، معتبرا الماركسية قمة الفلسفة الإنسانية، وكون كارل ماركس "أعظم الفلاسفة والثوريين في التاريخ" كما كتب في مقال نقدي له، مقتبسا قوله: "أنا إنسان، وكل ما هو إنساني ليس غريبا عني".
لقائي مع سالم جبران، بدأ قبل نيف واربعين سنة، في مطلع السبعينيات، مع بدايات الحركة الطلابية في جامعة حيفا والتخنيون، وقد كان من نشطائها. ومما عمق دوره فيها، مكانته الأدبية، وكونه عضوا في الحزب الشيوعي. وقد تطورت العلاقة مع بداية الحراك في مدينة الناصرة، والذي قاده الحزب الشيوعي، نحو إقامة جبهة الناصرة الديمقراطية وانتصارها الأول سنة 75. هذا الحدث الذي شكل محطة هامة في نضال شعبنا عموما. في مواجهة سياسة التمييز القومي ورفع منسوب نضالنا من اجل حقوقنا المدنية والقومية، والنضال لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وقد زاملته في عضوية مجلس بلدية الناصرة بين السنوات 1979 – 1983 حيث ساهم خلالها في معركة الصمود والتحدي، وفي تطوير العمل البلدي من خلال رؤية الترابط ما بين السياسي والبلدي.
وقد شغل في تلك الفترة ايضا، ولعدة سنوات منصب سكرتير فرع الناصرة للحزب الشيوعي، الذي لعب دورا هاما في الحفاظ على اللحمة مع القاعدة الجماهيرية، وجاهزيتها الكفاحية، وتعزيز دور الجبهة في حياة المدينة.
رغم انتقال أبي السعيد للعيش في الناصرة، بقي حبه الأول لمسقط رأسه ومرتع طفولته، الى البقيعة، البلدة الجليلية الوادعة وطبيعتها الخلابة، والى أرضها الطيبة، والتي اكتسب منها صفاته الإنسانية، ودماثة معشره. ذلك الحب الذي صاغه صورا شعرية رائعة، ربما من أروعها قوله:
" يخيلُ لي أنّي ما ولدتُ
ولكني كنت من الأولِ
هنا بين الحواكير"
شاعريته تشكّل عصارة حبه للأرض وللوطن، رغم ما اعتراه من تشوهات إثر النكبة:
"كما تحب الأمُّ
طفلها المشوه
أحبها
حبيبتي بلادي"
رغم ذلك، حافظ على تفاؤله وثقته بالمستقبل الذي تصنعه الأجيال القادمة فـَ:
"الغد/ مرج سنابل"
و "كل طفل يجيء عهد بقاءٍ
فهللّي يا عهود".
تعابير شعرية مكثفة ومتناغمة، شعر وطني إنساني يرتقي الى العالمية.
خَسارةٌ ان سالم جبران عزف عن الشعر معطيا الأولوية للسياسة والصحافة، رغم انه عوَّضنا بما أبدع من مقالات وتحليلات عميقة، أبرزت عمق واتساع ثقافةٍ عميقة، جريئة، غير مهادنة حول القضية الفلسطينية، همّهُ وهمنا الأول والأكبر. في السياسة والاقتصاد، في الأدب والفكر والاجتماع. في واقعنا المركّب، بعيدا عن الشعارات الرنانة، عن العولمة وأخطارها، وتشبثه بالفكر الاشتراكي والتقدمي المتنور، رغم انهيار العالم الاشتراكي، حارسا للحلم الإنساني بعالم أفضل، مبينا الخطر الداهم للعولمة ولنظام القطب الواحد، محللا ومؤكدا بأن الرأسمالية ليست الخيار أو البديل لرفاهية الإنسان.
كان سالم جبران ركنا من أركان الفكر الديمقراطي والوطني والإنساني الصادق. وقف بحزم ضد أسلوب المزايدات السياسية، وضد العصبيات الهدامة، والفكر السلفي المتستر بالدين، حاملا فكرا حداثيا نهضويا متنورا. قد تختلف معه، وقد اختلفنا احيانا، ولكن ليس لك إلا أن تحترمه وتحترم رأيه وفكره.
ستبقى إبداعات سالم جبران- أو باسمه الصحفي المستعار، "رفيق الشريف"، والتي نشرها في مختلف الصحف الحزبية والتي رأس تحريرها لفترات، "الغد" التي كانت منبرا للشباب، وذات اثر بالغ عليهم، "الجديد" و"الاتحاد" والعديد من الصحف ووسائل الاعلام في البلاد والخارج، عربية وعبرية، ان كان شعرا أو نثرا، في الأدب والسياسة والثقافة، ستبقى ذخرا للأجيال القادمة، فهي تشكل فصلا من تراث حقبة هامة في تاريخ بلادنا وشعبنا. نتمنى أن يعمل الدارسون ورفاق وزملاء أبي السعيد على جمعها ونشرها، حتى يتحقق ما كتب "فالأغاني/ سوف تحتلُ بين الرفاق مكاني/ وتحارب عنّي".
ولتبقْ أغنية وأنشودة حياة أبي السعيد باقية على مدى الأجيال.
- كلمة رئيس بلدية الناصرة في تأبين الشاعر والصحفي والأديب سالم جبران البقيعة 28.1.2012
