حديقة التماثيل خيبة في كوكب وأمل في سخنين

single

سخنين المدينة الجارة العامرة باهلها لها مكانة في القلب، تربطنا بها وباهلها أواصر صداقة وعلاقات جيرة لم تنقطع اواصرها منذ ان وعينا على الحياة، مدينة تتطور وتتقدم بخطى ثابتة هادئة يلمسها القادم اليها بين فترة وأخرى، وفي الحقيقة فإنني في كل مرة امر من هذه المدينة ازداد اعجابا بتقدمها وتطورها وترتيبها كمدينة حديثة لها تاريخ وحضارة وثقافة نعتز بها جميعا، فما أجمل ان يستقبلك في مدخل المدينة دوار تزينه التماثيل المنحوتة في الصخر، اشكال توحي بعمق الوعي الفني والثقافي والفكري لمبدعيه،ويليه دوار آخر فيه عمل فني جميل يوحي بطابعها الحضاري الديني،وبعدها بعدة امتار لا بد ان تمر من امام النصب التذكاري ليوم الأرض الخالد، الذي يعبر عن صمود وتضحية شعب يبحث عن الحياة، وما ان تسير بضعة امتار أخرى حتى ينتصب امامك ، دوار الشهداء تعبيرا عن يوم الغضب الشعبي العارم في هبة أكتوبر، يوم القدس والاقصى، ليكون رمزالتضحية لهذه المدينة العظيمة وهذا الشعب البطل، مناظر مثيرة تمر امامك، تعبر بالمجمل عن جو حضاري ثقافي فني لمدينة تتطور وتزدهر بشكل لافت.
نقلت انطباعي عن المدينة وتطورها لزوجتي التي كانت تجلس الى جانبي في السيارة اثناء مرورنا امام الدوار من مدخل المدينة الذي يغص بالتماثيل الحجرية التي تنتصب امامك بفنها الراقي وتعابيرها اللافتة، فقالت لي بنبرة فيها التحدي:
- لقد سبقنا مدينة سخنين بعشرين سنة، فعندنا حديقة تماثيل تفوقها جمالا وفنا، ولها اسم وسمعة في كل العالم، فلماذا تحسد اهل سخنين؟
 ولأكون صادقا مع نفسي ومعكم فان ما جعلني اكتب مقالتي هذه، ليست هذه العلاقة والجيرة، ليس ما لمسته من جمال وليس ما رأيته من فن وحضارة راقية يصنعها أبناء سخنين، ولكنها تلك المقارنة مع حديقة تماثيل تشكلت قبل أكثر من عشرين عاما مضت في قريتي كوكب، كانت قد عصفت بها رياح المزاودات السياسية، واثارتها امامي زوجتي الآن.
عدت بذاكرتي الى تلك الأيام وتلك الحقبة المليئة بالأمل والطموح والشموخ، يوم كانت حدودنا السماء، وهدفنا ان نتفوق على كل من يحيطنا من عرب ويهود بالثقافة والفن والحضارة والوعي، كان هدفنا ان نرسم خيوط النور ودروب المستقبل لأجيالنا، كي يفتخروا ويفاخروا بما يملكون، وقد حمل هذه الراية السيد أحمد الحاج رئيس المجلس المحلي السابق بكل فخر واعتزاز.
عدت الى دفاتري القديمة،لأبحث عن حديقة التماثيل في قريتي كوكب، عدت الى ملفات يعلوها الغبار، وما ان نفضت الغبار عنها حتى تبدى لي كنز لا يقدر بثمن، وجدت تاريخا بحاجة الى فتح صفحاته من جديد علنا نعالج ما أفسد الدهر، وجدت كنزا فنيا حضاريا ثقافيا يعلوه الغبار.
وجدت في دفاتري القديمة مقالا قد كتبته عام 1995 في صحيفة الاتحاد، قلت فيه "حديقة التماثيل معلم حضاري جميل لنا ولأجيالنا القادمة وهو تعبير عن الرغبة الجامحة للسلام، تدريجيا يتحول في اذهان أهالي قريتنا الى معلم حضاري وثقافي وتاريخي". ورحت بعدها أصف الموقع وجماله وصفا دقيقا فيه الكثير من الاندماج العاطفي مع الطبيعة الخلابة، ومما قلته عن الموقع "يستطيع ابن كوكب ان يستعيد ذكرياته وهو ينظر الى الطبيعة الممتدة امامه حيث كانت مرتع صباه وملاعب طفولته بكل جمالها وروعتها" وبعدها تحدثت عن التماثيل واصحابها وفكرتها ورسالتها، ووجدت أيضا عشرات المقالات، والاخبار والمعلومات التي كتبت عن حديقة التماثيل في كوكب، وكان أجملها للشاعر سعود الاسدي الذي كتب "سمفونية الشعر والحجر والفولاذ" يصف الحديقة بلغة شعرية ساحرة.
لا مجال هنا للحديث مجددا عن التماثيل واصحابها وما تمثله من رؤية فنية، ورسالة اجتماعية، ويقيني انه يكفي ان اذكر امام القارئ عملين مميزين من ضمن عشرات الاعمال الفنية كتمثال "الامل" من اعمال الفنان الفلسطيني سعيد حلمي، وهو تمثال منحوت بالصخر على شكل امرأة حامل تشكل خارطة فلسطين وفي قمتها الشمس تعبيرا عن الامل والحلم الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة. وتمثال آخر ما زال منتصبا على دوار القرية ومركزها "البيادر سابقا" تمثال "السبلات" وهو نصب تذكاري لشهداء قريتنا كوكب خلال تاريخها الحديث من اجل التحرر وصد العدوان، وهو من تصميم الفنان احمد كنعان ابن مدينة طمرة.
استقطبت حديقة التماثيل وما تمثله من رسالة حضارية وثقافية وفنية مئات السياح من البلاد وخارجها ولعدة سنوات، وقد علا نجم كوكب وسطع بريقها في جميع انحاء البلاد ولا ابالغ ان قلت بالعالم، بلدة بالكاد ترى اسمها على الخارطة يسطع اسمها في كل مكان انه لأمر مثير للاهتمام والمراجعة وفهم الرسالة من جديد.  
اقحمت حديقة التماثيل في النقاش السياسي المحلي بل في المماحكات السياسية الهدامة التي لا هدف لها الا تقويض كل ما هو جميل في حياتنا وتحويله الى اهداف ومآرب شخصية تخدم البعض ولكنها تهدم كل ما يعترض طريقها، ومن المؤسف والمحزن ان بعض من اعترض وحارب فكرة الحديقة بعضهم من المتعلمين وبعضهم أنهى دراسته في دول التماثيل والاعمال الفنية في أوروبا، وكان للبعض منطلقاته الدينية والسياسية وربما بعض المنطلقات الاجتماعية.
يمكننا تلخيص وجهات النظر بثلاث وجهات نظر،الأولى، هي حديقة اصنام، تخالف تعاليم الدين الإسلامي، وقسم يراها مخططا استيطانيا كولونياليا لمصادرة الأرض وانهاء وجودنا عليها، ويراها الآخرون تراثا وحضارة وفنا راقيا يجب الحفاظ عليه وتشجيعه، وتطوير القرية من خلاله.
امام وجهات النظر المتناقضة والمتضاربة هذه، وامام المماحكات السياسية العقيمة، لم تستطع حديقة التماثيل من الصمود فصمتت منذ ذلك التاريخ وهي بالكاد تتنفس في انتظار من يوقظها من السبات الذي أدخلت فيه مرغمة وعن سبق إصرار وترصد.
عشرون عاما مضت على حديقتنا الجميلة لم نقدر ولم نحترم ولم نعط الفن والحضارة حقها، وها نحن اليوم امام نهضة ثقافية وحضارية وفنية في معظم قرانا ومدننا العربية، وعندنا رئيس مجلس متعلم منفتح على العالم، يقدر الفن والعلم والثقافة وهو يعمل جاهدا لرفع رايتهم، وتطوير قريتنا لتأخذ دورها وتنافس جارتنا مدينة سخنين او تكملها بالعمل الفني والثقافي، فهل سيستطيع السيد زاهر صالح ان يصلح ما أفسد الدهر فيلامس الماضي نسائم المستقبل؟
قد يهمّكم أيضا..
featured

امتحان القراءة وفهم المقروء والرياضيات والحاسوب.. أين نحن؟

featured

لا تريدون عرب في كفار فرديم؟ أعيدوا الأرض!

featured

أطفال تحت ركام الموت – صنع في اسرائيل!!

featured

خطاب لا يليق بـ"الميدان" ولا بنا

featured

إسرائيل والهروب من الحقيقة!

featured

لا شعير في المخلاة

featured

المتابعة وسؤال القيادة

featured

كلمتنا واحدة وفي كل المنابر