طالعتنا الصحافة مؤخرًا بأخبار تتصل بالتحصيل الدولي في الامتحان الذي شارك فيه أكثر من (30) دولة في منظمّة ال OECD من بينها إسرائيل، وكان الامتحان في مواضيع القراءة وفهم المقروء والرياضيات والحاسوب، ومن نتائج هذا الامتحان يُستدل ان إسرائيل في قاع سلم منظمة ال OECD وان 34% من المواطنين العرب في إسرائيل تنقصهم المهارة الأساسية بمعرفة الحاسوب مقابل 9% في الوسط اليهودي، وان هناك فجوة عميقة بين السكان اليهود والعرب في الدولة، وبحسب الاستطلاع الذي شارك فيه مواطنون من سن 16 حتى 65 فإن معدل العلامات في موضوع خبرة القراءة في إسرائيل هو (255) من (500) علامة، بينما معدل العلامة في دول المنظمة هو (268) ومتوسط العلامات في موضوع الرياضيات هو (251) في إسرائيل مقابل (263) في ال OECD. وبخصوص حل مشاكل في البيئة المحوسبة فالمتوسط (274) في إسرائيل مقابل (279) في دول المنظمة. ويقول الخبر ان إسرائيل احتلت المكانة (28) في القراءة وفهم المقروء. وفي الرياضيات المكانة (29) من بين (34) دولة وفي حل مشاكل الاتصالات المحوسبة احتلت المكانة (24) من بين (29) دولة. أما بالنسبة للوسط العربي فقد ورد في الاخبار ان الوسط العربي تنقصه المهارة الأساسية في استعمال الحواسيب – 34% من بين العرب تنقصهم هذه المهارة مقابل 9% فقط في الوسط اليهودي. وقد ادعى بعض المسؤولين في وزارة المعارف ان العرب كانوا السبب في هذه النتائج ولو احتسبت النتائج في إسرائيل بدون الوسط العربي لاحتلت إسرائيل مكانة أعلى بكثير في سلم نتائج ال OECD.
لقد نسي هؤلاء ان العرب جزء من الدولة وان نتائجهم هي مؤشر سلبي إلى عدم اهتمام الوزارة بالوسط العربي كما هو الحال في الوسط اليهودي، وان النتائج هي وصمة عار للدولة سببها التمييز السلبي للعرب من حيث الميزانيات والموارد، مما يعني ضرورة التحوّل إلى التمييز الإيجابي وسد الفجوة القائمة بين الوسطين وكسر المعادلة المعروفة نتيجة التمييز ضد العرب والتي تقول ان ما يُعطى للطالب اليهودي يعادل ثلاثة أضعاف ما يعطى للطالب العربي. هنالك ضرورة لتغيير هذا التوجه في السياسة تجاه العرب وضرورة التعامل معهم بمعيار شبيهٍ للمعيار المتبع تجاه اليهود.
هذا الأمر ينعكس على نسبة النجاح الأقل عند العرب في امتحانات البجروت وفي نسبة النجاح في امتحانات البسيخومتري والتي تشير إلى فارق يعادل مئة نقطة في معدل البسيخومتري (570 مقابل 470 نقطة)، مما يؤثر على نوعية المواضيع التي يقبل لها العرب في الجامعات عنها عند اليهود، لأن علامات البسيخومتري لا تؤهلهم للدخول لمواضيع الطب والاقتصاد والمواضيع العلميّة الراقية.. وبهذا الصدد بودّي الإشارة إلى ما حصل هذه السنة في امتحانات النماء (מיצ"ב) وامتحان ال בגרות من تقهقر بدلا من التقدّم، مما حدا بي قبل مدة إلى كتابة مقال تحت عنوان ساخر قلت فيه: "هل نحن نسير إلى الوراء أم مكانك عُدّ".
إن ما ذكر أعلاه لا يعني ان الطالب العربي أقل قدرة وذكاء من الطالب اليهودي، بل ان السبب هو المناخ التربوي السائد في التعليم العربي بالمقارنة مع المناخ التربوي الموجود في المدارس اليهودية.. وانا أعتقد ان السبب هو عدم إعطاء الفرص والإمكانيات المعطاة للطالب اليهودي، ولو كان الأمر كذلك لكان تحصيل الطالب العربي أكبر بَدَليلين:
أولا ان الطلاب العرب في قسم منهم يحصلون على معدلات عالية في البجروت والبسيخومتري إلا ان نسبتهم قليلة ومعدّلاتهم أعلى منها في كثير من المدارس اليهودية..
ثانيًا ان طلابنا الذين يتعلمون في الأردن وفي دول أوروبا الشرقية وفي الجامعة الأمريكية في الضفّة الغربية (جنين) يحصلون على نجاحات باهرة لان الفرص هناك متاحة لهم أكثر، وهؤلاء الطلاب الذين يصل عددهم إلى عشرات الآلاف.. ففي الجامعة الأمريكية في جنين يصل عددهم إلى أكثر من أربعة آلاف طالب وفي الجامعات الأردنية يصل عددهم إلى أكثر من ثمانية آلاف طالب.
عودة إلى ما بدأنا به، فإن نسبة النجاح المتدنية للطلاب العرب بالمقارنة مع اليهود في المجالات التي ذكرتها سابقًا تؤكد حقيقة مؤلمة تستدعي النظر في قراءة هذه النتائج وتؤكد السياسة التي اتبعتها إسرائيل منذ قيام الدولة بتكريسها سياسة التمييز تجاه العرب، بحيث اتبعت الحكومات المتعاقبة هذه النهج، ممثّلة في وزارة المعارف في التعامل مع التعليم العربي بميزان يختلف عن الميزان المتّبع في التعامل مع التعليم اليهودي.
نحن نسأل أنفسنا وبعد مرور ثمانٍ وستين سنة على قيام الدولة راعية الديمقراطية في التعامل مع العرب عامة ومع التعليم خاصة، أما لهذا الليل من آخر؟ وأين نحن من العالم ومتى سنرى الضوء في آخر النفق المظلم الطويل؟ وهل من أمل في ذلك؟ هل سنبقى مكتوفي الأيدي ونسلّم بالأمر الواقع؟ هل سنبقى ننتظر الغيث من سحاب لا يرجى مطره؟ وما هو دورنا كآباء وأمهات وسلطات محلّية؟ ما هو دورنا كمديرين ومربّين ومعلمين؟ ما هي مسؤوليتنا الوطنية والقوميّة؟ هل سنكتفي بتوجيه اصبع الاتهام إلى المسؤولين الصُمّ؟ هل ستسمع كلماتنا عند من بهم صَمَم؟ لماذا لا ننسى ان باستعمالنا حركة اليد في التعبير عن الاتهام للغير باصبع السَّبابة؟ الممتد إلى الغير وننسى ان في حركة اليد هذه اصبعًا آخر هو الإبهام والذي يتجه نحو ذاتنا، نحونا نحن ويقول لنا ما هو دوركم أنتم؟ ما دورنا ومسؤوليتنا نحن كأقلية قومية وطنية مطلوب منها محاربة سياسة طمس الهويّة كما حدث هذه الأيام في موضوع "المدنيات". ان ما جرى اليوم فعلا من قبل لجنة المتابعة العليا ولجنة متابعة قضايا التعليم العربي وأقسام أخرى تثبت صحة ما أقول، واننا بحاجة إلى وضع برامج ظلّ بديلة وكل التحية وكل الاحترام للذين عملوا على اقتراح مواد أخرى نشرت في موقع لجنة المتابعة العليا، وعلى معلمي المدنيات تعويض أولادنا بتعليمهم هذه المادة، كمادة مساعدة أساسية ومتمّمة لما اقترحته الوزارة، لأننا لا ولن نتوقع ان تقوم الوزارة بتغيير ما وضعته. ان بإمكان المعلمين التحايل على هذه المادة وتدريس مواد أخرى كثيرة من أجل تعزيز الهوية وتجذير الانتماء القومي والوطني للطالب العربي...
إن ما سيقوم به معلمو المدنيات لهذا الصدد يمكن اتخاذه مثلا في التحايل على منهاج الأدب وتعليم المواد التي تخص التراث العربي والوطني بشكل عام وتخص التراث الفلسطيني بشكل خاص. وما قاله الشاعر المرحوم شكيب جهشان في كتابه "على شوق أيام غوالٍ" عندما صادف هذه المشكلة في تعليمه للأدب في المدارس الثانوية قبل خمسين سنة ينطبق على واقعنا اليوم. لقد رفض شكيب أن يلتزم بمنهاج الأدب المقرر في حينه والاقتصار على تعليم شعر الطبيعة والغزل والرثاء والهجاء.. بل تعدى ذلك متحايلا وعلّم عن إبراهيم طوقان ومعلقة عمرو بن كلثوم "أطاعن خيلا" والأدب الفلسطيني مستغلا موافقة الوزارة على ادراج اسم الشاعر وتعليم أشعار أخرى كتبها نفس الشاعر وتعتبر من الممنوعات. نحن بحاجة إلى تحايل كهذا فنعلم أشعار توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم، ونعلم قصائد فيها روح الوطنيّة دون مشاورة أحد، يجب التصدّي لسياسة التجهيل وطمس الهوية ويجب عدم الانتظار حتى تحصل، المعجزة ولن تحصل، وحتى تتغير السياسة ولن نتغيّر، وإذا لم أكن أنا لنفسي فلمن أكون؟ وإذا صدق العزم وضح السبيل.
يجب استعمال مواد وكتب غير مقرّرة في المنهاج كمواد وكراريس مساعدة تعين الطالب على صقل عقله وتزويده بما يلزم. ونحن مثلا يجب الا نكتفي في إكساب مهارات فهم المقروء التي تعتبر أساسًا في التحصيل عن طريق تمارين في كتاب القراءة، بل يجب استعمال الكراريس كمادة مساعدة وتعليم المهارات من خلالها على أساس منهجيّ يساعد في تقوية الطلاب لينجحوا في محاربة النص التعليمي أي نص من زوايا عدّة ومن أجل تطوير التفكير التحليلي والتفكير الإبداعي والتفكير الناقد عنده.
