كلمتنا واحدة وفي كل المنابر

single

ذات مرّة، حين كان للدعاية التلفزيونية في الانتخابات البرلمانية تأثير ما على الحملة الانتخابية لهذا الحزب أو ذاك، وكانت استوديوهات التلفزة تستضيف محللين لتقييم الدعاية، كانت دعاية الجبهة الديمقراطية التلفزيونية العبرية بمستوى عال من الإتقان المهني.
وبعد إحدى الدعايات علّق المحلل السياسي في القناة الثانية للتلفزيون، أمنون ابراموفيتش، قائلا: لا تربطني مواقف سياسية كثيرة بمواقف الجبهة، ولكن للحقيقة فإنني أبدي إعجابي ليس فقط بالإتقان المهني للدعاية، وإنما لكون هذه الحركة، حينما تبث دعايتها باللغة العبرية تجدها مطابقة لدعايتها باللغة العربية وبلغات أخرى إن اقتضى الأمر.
ذات مرّة، وذات مرّة بعيدة جدا، حينما كانت الشخصيات الوطنية العتيقة من جماهيرنا تترشح في قائمة الحزب الشيوعي للكنيست، تلك الشخصيات التي رسخت الخطاب الوطني المقاوم، سياسيا أدبا وشعرا، توفيق طوبي وإميل حبيبي وتوفيق زياد، كانت قلة قليلة من جماهيرنا، ولها احترامها حتى اليوم، تعترض وتهاجم المشاركة في الانتخابات البرلمانية، ولكن الكنيست بإجماعه الصهيوني لم يهز في هذه الشخصيات شعرة من الوطنية والمصداقية.
فدخلت إلى الكنيست وقالت قولها ورحلت عنه، وخاضت أشرس وأخطر الفترات التي واجهها شعبنا، ولم تؤثر بها الأجواء الصهيونية، لا بل كان هؤلاء الحربة في حلوق من خطط لسلبك الحياة.
ثم دارت الدنيا، وكالعادة صدق موقفنا، فأصبحت هناك تعددية، وبعض من تلك القلة بات يزاحر على مقاعد برلمانية.
وذات مرّة، بعيدة، كان الشيوعيون والجبهويون في المعارضة البرلمانية كالعادة، وكان أيضا في المعارضة، الارهابي مئير كهانا، ولدى التصويت على حجب الثقة على الحكومة، أو على قوانين حكومية، كان التصويت مطابقا، ولكن ما كان تماهي بين طرفي النقيض، بين مجرم إرهابي وبين المناضلين من أجل الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

****

اليوم، في أوج العواصف السياسية التي تشهدها المنطقة، تكثر النقاشات والجدالات السياسية، فهناك نقاشات ذات وزن، تندرج في اطار اجتهادات سياسية لها مكانها الطبيعي، في السعي للاجتهاد لقراءة ما يحدث ومحاولة قراءة المستقبل، والتنبه للمخاطر، وطرح رؤى لكيفية المواجهة، والاستعداد لتلك المواجهة.
ولكن في هذا الزخم السياسي، تكثر أيضا الانتهازية، الإعلامية والسياسية في كل مكان، وحصتنا من هذه، هي مقارعة على أساس شخصي، في مسألة "العلاقة" أو "التواصل" مع الأنظمة في الدول العربية، وهناك من ذاكرته قصيرة، أو فقد دفتر مذكراته على غفلة، لينسى أين كان أكثر من مرّة، ولكن هذا ليس الوقت البحث في الزهايمر السياسي.
والحديث يجري عن لقاءات لشخصيات حزبية وسياسية من عندنا مع قيادات في تلك الدول، ومن هذه الأنظمة من بات بفعل الماضي، غير المأسوف عليه، وفي هذا النقاش هناك ما هو موضوعي، ولكن لدى البعض القليل، فإن البراءة اتخذت لنفسها إجازة.
فالحكم على هذه اللقاءات التي لم ترق إلى مستوى العلاقات، ليس على مجرد عقدها، وإنما على كيفية تصرفك فيها، ومضمون خطابك، ولكن السؤال الأهم: هل أثرت هذه اللقاءات والاتصالات على مواقفك الشخصية والحزبية؟ والجواب على هذا السؤال، واضح للعيان، فمن جهتنا قلنا ما قلناه في خيمة القمة العربية في سيرت القذافي، عن رؤيتنا لحل الصراع وشكله، وأشكال نضالنا، ولم نتمرمغ في العباءة البنية كما فعل البعض.
والموضوعية والأخلاق تؤكد أننا لم نكن الوحيدين بهذه الصراحة، التي تدخلك إلى اللقاء وتخرجك منه مرفوع الرأس.
حينما يستدعونك لسماع موقفك، فهذا اعتراف بوزنك وثقلك في الحلبة التي تنشط فيها، وإن كان الداعون ممن يجولون في أجواء منطقتك السياسية بعيدة أو قريبة المدى، فأي مانع في أن تلتقي وتقول حقيقتك ورؤيتك.
أما عن حكاية الأنظمة الفاسدة والاستبدادية، فأين هو ذاك النظام المتنور والنقي في العالم الحالي، فالاستبداد والظلم واحد من حيث الجوهر، ولكن الاختلاف هو في الأدوات، فالدول المتطورة تستبد وتقمع بأساليب لامعة، منها ديمقراطية الثرثرة وفشة الخلق، وثقافة الرفق بالحيوان قبل الإنسان، والجيوش المتطورة التي تقتل مئات الآلاف بأسرع وقت دون إبقاء علامات أو عذابات جسدية، أما في دول التخلف فما زالوا يبيدون بأساليب الحديد والنار، فمن بينهم من اختلس أموال الشعب، التي كان بالإمكان صرفها على وسائل استبداد وتجويع "أكثر رقة"، وأسرع فتكا.
نحن من مدرسة لا تغرق في خدعة الفرق بين "إنسانية" القنابل الذكية، وهمجية القنابل اليدوية، فالقتل والإرهاب واحد، لا بل فإن "إنسانيتهم" أشرس وأشد إرهابا لأنها تطال شعوبا بأسرها.
ونحن أيضا لسنا من مدرسة الانغلاق والتقوقع، من مدرسة نقول كلمتها الواحدة والحيدة، في كل مكان، ومن على كل المنابر، لأننا أصحاب العمود الفقري السياسي القوي والمتين، لا الملتوي المهزوز مع أخف نسمات التقصع السياسي.

*****

هل حينما نقول، وبحق، إننا نسعى للتأثير على الشارع الإسرائيلي، ونسعى لإقامة حركات احتجاج آنية حول هذه القضية أو تلك، ويذهب الواحد منا لمظاهرات في تل أبيب، ليجد كتفه في لحظة ما يحتك بكتف شاب، قد يكون عائدا لتوه من خدمة جيش الاحتلال، او ضابط جيش فتك وقتل، ثم تراجع واعترف وقرر تغيير اتجاهه، هل حينها نكون قد تجردنا من مواقفنا ومبادئنا.
إن شعار عدم الالتقاء بالأنظمة الفاسدة، يتطابق كليا مع شعار، "لا للعضوية في برلمان الكيان الصهيوني" فجيش الاحتلال يستمد كل "شرعيته" من هذه المؤسسة التشريعية، ففيه كل القرارات التي تفتك وتقتل شعبك، وتفتك بنا وتقتلنا نحن بالموت البطيء.

*****

المشكلة أن من بيننا من لا يقرأ التقلبات في العالم في العقدين الأخيرين، ولا يرى التغيرات، ومحاور الاصطدام وشكل تقسيم العالم، وأنه لم يعد في العالم شرق وغرب، فالشرق السابق بات مرتعا للغرب والمافيات المحلية، ولكن عندنا من يصر على عنزة ولو طارت. وهؤلاء لم يسألوا، مثلا، كيف كان شكل العلاقات الخارجية للاتحاد السوفييتي حتى العام 1945، وكيف تقلبت تلك العلاقات بعد الثورات الاشتراكية الأوروبية، وفي كلا الفترتين، المبادئ بقيت مبادئ.
نعم للتعددية والحوار الحضاري، ولكن لا يمكن الاستمرار بالتستر بشعار التعددية من أجل خوض حروب شخصية مهلكة تثير الإحباط وأكثر.

قد يهمّكم أيضا..
featured

وقف ضخ الغاز المسمار الأول في نعش اتفاقية كامب ديفيد

featured

بائع الورد والمحبة في شارع القدس

featured

أنا الشعب ماشي وعارف طريقي

featured

"..فَتَبَيَّنُوا.."

featured

عندما يصبح الحليبُ خبزًا !

featured

الحكام العرب ولعبة شد الحبل

featured

كأني بحكام اسرائيل لم يسمعوا بكلمة سلام

featured

حذار من نموذج الفاتيكان