أنا الشعب ماشي وعارف طريقي

single

*هذا الشعب الذي لفظ أخيرا الطاغية بعفنه الى غير رجعة، منحنا متعة التصديق بأننا قادرون. فها هو يصنع لنفسه ولنا ثورة طبقية اجتماعية شعبية زخمة*

أنا واحدة من هذا الشعب،
فالفقر الذي امتصّ الصباح من حدقات 20 مليون مصري، امتصني معهم، والمدينة التي ركلت عيالها ليعبئوا أجوافهم بهواء السطوح والعشوائيات والتُرَب الوسخ، ركلتني معهم، والمدرسة التي باعت الملايين في سوق كسرة الخبز وفتات المعيشة، جعلتني أميّة مثلهم، والأسواط التي تهاوت على أرواح المظلومين عرقا ودما ونحيبا، سقطت عليّ قبلهم.
انا واحدة من هذا الشعب الذي اتخمته المهانة، فخرج حين حانت الثورة في دمه.
هذه الأسطر كتبتها بعد بدء الغليان بأيام معدودة، كنت اريد توثيق مشاعري حيال ما يحدث. إنها الثورة، تحتبس في جوارحي غير قادرة على الصراخ فرحا في ساعات الليل المتأخرة، إنها الثورة يا رفيقة، ردّدتُ في داخلي مرارا غير مصدّقة أن باستطاعتي اليوم ان أزاحم جيل الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت لألوّح ملء خلاياي أمامهم بثورة شعب نقودها نحن، الشباب.
ثم بدأ الخوف يزحف الى فرحي، فأقفلت السطور وانهمكت بشعور غريب لا يحملني على لمس أي زرّ في لوحة المفاتيح هذه، فالازدحام الذي طرأ على مشاعري شتتني حتى "بقّ البحصة" الأخيرة، وعندها أردت أن ارفع سماعة الهاتف لأقول في وجه ذاك الباحث الاسرائيلي الذي "نبّهني" بأن الشعب قد ينقسم والحرب الأهلية قد تلتهم احلامه: عمتَ مساء، الثورة انتصرت!
نعم في لحظات معينة شعرت بالرعب من أن ينطوي المتظاهرون ثانية، خفت سوسة النظام التي انطلقت كالكلاب المسعورة، خفت أن يتلقّف الخوف الثائرات والثائرين في الميدان، خفت ان يُحكم التعب سطوته عليهم، خفت عليهم وعليّ من انكسار هذا الحلم العظيم.
 ولكنني معذورة، فأنا لم اشهد ثورة من قبل، ولم ارَ شعبا يلد نفسه من قبل، انا أصلا لم أحسّ كما أحسّ اليوم من قبل!! فكيف لي ألاّ أخاف؟
كيف لي ألاّ اتيّقظ لكل فاصلة جديدة توضع على أرض الميدان؟! وانا، ككل واحدة وواحد، فينا كدت أصدّق كل الأكاذيب التي كمّمتنا بها الأفلام والأغاني والفضائيات والدول الكبيرة واسرائيل عن شعب مصر، انا التي أحتفظ بشرائط مسجّلة لنجيب سرور والشيخ امام واحمد فؤاد نجم في خزانتي، صدّقت. نعم صدّقت ان المصريين لن يخرجوا أبدًا الى الشارع ليسدّوا بالوعة الحكومة، لانهم لا زالوا يرزحون تحت البكاوية والبشاوية ولأنهم مجرّد "غلابه". نعم هذه الآراء المسبقة غلبتنا جميعا مهما تفاوتنا بحجم تبّنيها.
وانا الان أريد الإعتذار باسمي وباسمكم من كل مصري هتفت في دمه الثورة.
لأنه وبعدما كنت أشعر لزمن طويل ان ليس هنالك ثمّة ما يدعوني للفخر، جعلني أفهم بالتحديد ما معنى "الكرامة او الفخر القومي". ولأنه جعلني اعي بعدما أكلتني الصدمة أن الجيش قد يكون أخا للشعب.
هذا الشعب الذي وكأنه ذهب في الأسبوعين الاخيرين الى رحلة في الحرية عاد منها ثابتا ومتشابكا وسعيدا، ومعلمًا لكل شعوب العالم.
هذا الشعب الذي لفظ أخيرا الطاغية بعفنه الى غير رجعة، منحنا متعة التصديق بأننا قادرون. فها هو يصنع لنفسه ولنا ثورة طبقية اجتماعية شعبية زخمة، تجعلنا غير قادرين في حضورها على التساؤل حتى: ماذا بعد؟ لأن لهؤلاء الابطال أن يقرّّروا مصيرهم كما يشتهون، ولنا أن نثق بهم فحسب.
فشكرا لهذا الشعب، على حسمه شكّنا بأن تكون الثورة الأولى في تونس مجرّد ظاهرة؛ شكرا لامتثاله للريح التي نفختها عيون بوعزيزي المحترقة، شكرا له على الأمل الذي مدّنا به متخطيا بروحه الساخرة خفيفة الدم كل احباط أو كآبة قد تحدق بنا.
شكرا لأنه جعلني اؤمن أكثر بجدوى شيوعيتي.
وفعلا مصر يمّا يا مهرة يا حباّلة يا ولاّدة يا ست الكل يا طاهرة، سلامتك من آلام الحيض من الحرمان من القهرة، سلامة نهدك المرضع سلامة بطنك الخضرا، هَناكِ وفرحة الوالدة تضمي الولد يا والدة، يصونهم لك ويحميهم، يكتّرهم يخليهم يجمّع شملهم بيكي، يتمم فرحتك بيهم.
وتبقى يداي من فرط الفرحة محلقتين عن لوحة المفاتيح هذه مكتفيتين بالقليل من الكلام.
لأن الثورة دائما، أكبر بكثير.

قد يهمّكم أيضا..
featured

إرهاب ساقط لعمالنا وعاملاتنا!

featured

منع عودة اللاجئين كان المعيار لتوزيع المهاجرين اليهود من الدول العربية

featured

ليتوقف النزيف السوري

featured

أفاتار في بلعين

featured

الانتحار العقلي

featured

نقاط العشق الالتقاء ما بين حكّام السعودية واسرائيل

featured

أرجوكم ان تحترموا عقولنا!

featured

هل يمكن أن نصادم؟!