"أعطِني إرادةً، أُعطِكَ قدرًا"

single

عندما خرج المناضل صدقي سليمان المقت من عرين الأُسُود، منتصرًا على سجَّانه، وعلى ظُلُمات الزِّنزانة، بعد أن قضى سني شبابه داخل قضبان صهيون مدَّة سبعة وعشرين عامًا، رأيتُ عيونه الواسعتين والصَّافيتين وسمعتُ نبرته في الكلام وصوته الأجشِّ الرُّجوليِّ، يومَ وقف وقفة الشُّجاع في محكمته التي لم يعترف بها، وبصموده داخل أقبية السِّجن وسراديبه المُعتِمة، وثباته على مواقفه المشرِّفة، دون أن يحيد قيدَ أنملة، رأيتُ فيه عيون وصوت ووقفة وصمود أبي عائدة، المناضل داود تركي.
لقد رأيت هذا في الأسودين من أعينكما..
لقد أنشد صدقي المقت ورفاقه في محاكمتهم "غير الشَّرعيَّة" النَّشيد العربيَّ السُّوري، حماة الدِّيار، تأكيدًا على انتمائه لوطنه الأمِّ سوريا، بينما أنشد أبو عائدة ورفاقه نشيدا الأمميَّة ويا شعوب الشَّرق، تجسيدًا لعقيدة النِّضال المشترك لزوال الاحتلال الحتميّ.
عندما تحرَّر صدقي قال:"لقد هزمتُك أيُّها المحتلّ..لعنةٌ تُلاحقكم وتصرخُ في وجهكم ليل نهار..إرحلوا أيها الصَّهاينة، لا مكان لكم على أرضنا العربيَّة" وعندما تحرَّر أبو عائدة، سُئل من قِبل الصَّحافييِّن، هل ندمتَ، أجاب: على ماذا؟ لماذا عليَّ أن أدفع الثَّمن مرَّتين، وإن بُعِثْتُ من جديد سأختار نفس الطَّريق، فالبطولة هي كيف تخرج من السِّجن..
وهذه كانت بطولة صدقي المقت عندما خرج من السِّجن، منتصب القامة شامخًا ومرفوع الهامة كبواسق الأفنان وعالي الجبين ﴿..وما بدَّلوا تبديلا﴾.
تحرَّر أبو عائدة، عام ألفٍ وتسعمائة وخمسة وثمانين، من سجن الرَّملة في إطار اتِّفاقيَّة تبادل للأسرى، عمليَّة النَّورس، التي حقَّقتها القيادة العامَّة للجبهة الشَّعبيَّة لتحرير فلسطين (أحمد جبريل)، بعد أن دفع من حياته ثلاثة عشر عامًا، وراء القضبان، وفي العام نفسه أُسِرَ المناضل صدقي المقت، بتهمة مقاومة الاحتلال لبلاده! 
هما القمران، الذيْن لا تسطيع أيَّة قوة حجب نورهما السَّاطع بغربال، حبَّ الوطن والذَّودِ عن ترابه المقدَّس، والدِّفاع عن أهل البلاد الأصليِّين، وعودتهم إلى ديارهم..
هما الأصغران في جسد أهل الشَّام الأحرار العروبييِّن، عقلُه حيث يسكن الضَّمير ولسانُه النَّاطق الرَّسمي باسمه.
وحين يقف الأسير المحرَّر صدقي أمام المرآة في ساحة سلطان باشا الجبل في مجدل شمس الأبيَّة، التي لا تهون علينا، أرى صورة أبي عائدة في المرآة ذاتها، وحين يسير تحت شمس الحرِّيَّة في موطنه، تلك الشَّمس الأقوى من حقيقتهم ومن ليلهم الدَّيجوري، أرى ظلَّ الأوَّل يتبع الثَّاني أو أرى ظلَّ الثَّاني يعانق الأوَّل ويُلازمه، إنَّهما توأم لوطن واحد، شطرته نفس الأيادي التي تريد إتمام تقسيم المشرق العربيِّ الى فُتات يسهل افتراسه وبلعه وهضمه، لكنَّهم نسوا انَّه مهما تطاولوا على شعبنا أو تمادوا في غيِّهم فإنَّه سيكون المنجل الذي يصعبُ عليهم بلعَه وإن استطاعوا ذلك، فإنَّه سيُقطِّع دابرهم حين يخرج منهم، فهيهاتَ منَّا الذِّلَّة..
أرى فيك يا رفيقي صدقي أبا عائدة، داود تركي، فشهرُ اعتقالك قبل سبعة وعشرين عامًا هو شهر ولادته، في الثَّامن من تشرين الأوَّل..
نفْسُ أبي عائدةلم تفنَ بفناء جسده، بل انتقلت إلى روحك وجسدك يا رفيقي،
ويا صديقي صدقي..
يقول حنَّا مينة في روايته "مأساة ديمتريو": "لكنَّه القدر.." فيُجيبُ:"تقابلُه الإرادة
أعطني إرادةً، أُعطِكَ قدرًا..(28).
فصباحُك ارادةٌ وقدَرٌ وحرِّيَّةٌ يا صدقي سليمان المقت! يا عمَّاه..

 

حيفا

قد يهمّكم أيضا..
featured

ألا يوجد من يشكم هذا الجزار العربيد !

featured

لا يُعوَّل عليهم!

featured

الهرب حكمة احيانا

featured

نحن نفاخر ونتفاخر!!

featured

عن أساس المقاطعة واستثناء التصويت....

featured

أربعون سنة من تاريخ جبهة عرابة 1968 - 2008 - دروس وعبر

featured

النقد ابو الثورات

featured

قتل على أبواب بيوتنا!