(ردا على مقال هشام نفاع)
طالعنا الرفيق هشام نفاع بمقالته "مقاولو المقاطعة"*، وعلى غير عادته فلقد جانب المنطق في كثير من طروحاته، وسنبدأ بما أنهى به المقال: "فليتفضلوا (المقصود المقاطعين) للقيام بحملة سياسية حقيقية مساوية في الجهد والجدية والتعب لحملات الأحزاب".. هل أنت جاد يا رفيق أم ترمي علينا المعاجز؟! هل تريدنا القيام بحملة تكلف ملايين الشواقل كما حملات الأحزاب جلّ ما هاجمته كان المقاطعة؟ هل ستقوم أنت بالتدخل لدى قادة الأحزاب أن يرفعوا يدهم عن راديو الشمس ويعطوننا شيئا من هوائها؟ أم أن مواقع الإنترنيت التي تقبض عشرات آلاف الشواقل من الأحزاب في فترة الانتخابات ستقوم بفتح المجال لنشر مقالات المقاطعة؟ هل نقوم بتشكيل لجنة متابعة موازية نقوم بالإتيان بمحمد زيدانها ليحث على المقاطعة عبر هواء راديو الشمس الذي ستمنحوننا إياه؟ أم هل نقوم بالمرة بإقامة جامعة عربية موازية تدعو للمقاطعة؟
لقد صدقت في كون حملة المقاطعة غير منظمة، ولكنك تجانب الصواب والمنطق حين تضع تحت مجهرك جولة الانتخابات الحالية ناسيا او متناسيا ما كان قبل ذلك. نعم لم يكن في هذه الجولة جسما منظماً يقود حملة المقاطعة، واللجنة الشعبية التي تشكلت لم تصل إلى المستوى المطلوب ولم تستطع فرض نفسها كممثل للحملة، لأسباب ذاتية إضافة إلى الأسباب الموضوعية التي ذكرت أعلاه، وعن هذا تتحمل أبناء البلد نصيب الأسد من المسؤولية، إذ كانت مشغولة بأمورها الداخلية، ولكن هذا مختلف عما حدث في سنوات سابقة، ولنكون موضوعيين، علينا الرجوع لسنة 2001 والبدء بتحليل الموضوع، حيث قامت لجنة شعبية لمقاطعة انتخابات رئاسة الحكومة حينها، مشكلة من مختلف الأطر والأحزاب، واستطاعت الحصول على شبه إجماع شعبي، وفي كل جولة انتخابات تلت ذلك، قامت لجنة شعبية، مكونة من أبناء البلد في مركزها، تضم كثيراً من الشخصيات، بعضها شارك لمرة واحدة، يحضرني منها الآن مثلا الدكتور أسعد غانم والصحفي زهير اندراوس، والكثيرون ملتزمون إلى اليوم، واستطاعت هذه اللجنة أن تكون عنواناً للمقاطعة وتدير حملة جدية. أذكر جيدا انتخابات سنة 1996، حين شاركت أبناء البلد في إطار التجمع آنذاك، ضمن قائمة الجبهة والتجمع في الانتخابات، وتنافست مع القائمة العربية الموحدة التي شكلتها الحركة الإسلامية-الشق الجنوبي، المنشق حديثاً حينذاك عن الشمالي، كانت نسبة التصويت عالية، وكان أمام الناخب العربي خيارين، "و" أو "ع م"، لم يكن هناك خيار اسمه "المقاطعة"، وأفكر اليوم، فيما تراكم من أحداث على مرّ جولات انتخابات كثيرة، أفكر في قريبتي السبعينية، التي لا تعرف القراءة والكتابة، والتي قالت لي قبيل الانتخابات: "السنة بدنا نقاطع ولا نصوت للعرب؟"، نعم لقد فرضت المقاطعة نفسها كخيار، تراكم على مرّ الأعوام أمام الناخب العربي، ولا تستطيع تحليله بالوقوف على عدم تنظيم المقاطعين في هذه الجولة، وكأن الأمر وليد اللحظة.
إن تقسيم المقاطعين إلى قسمين، إما مقاطعين أيديولوجيين وإما مقاطعين محبطين لا مبالين، فيه تجنّ وعدم علمية، أنظر مثلا إلى استطلاع الرأي الذي أجراه صندوق ابراهام، تجد أن 17% لا يصوتون لأسباب أيديولوجية، ولكن 34% أخرون لا يصوتون بداعي عدم الإيمان بالديمقراطية الإسرائيلية أو لشعورهم بأنه ليس هناك من يمثلهم، زد على ذلك أن أكثر من النصف يشعرون أنهم لا يستطيعون التأثير على القرار وأكثر من نصف الذين يصوتون يفعلون ذلك لأسباب رمزية بحت لا لأنهم يؤمنون بالفعل أنهم يؤثرون. في حين ترى أنت في الأرقام أعلاه دليلا على اليأس والإحباط، أراه أنا وعياً وفهماً لطبيعة الدولة، من يرى أنه لا يستطيع أن يؤثر ليس محبطاً، بل هو من وصل إلى لب الحقيقة، نعم لا يستطيع التأثير بسبب البنية العنصرية للدولة والتي لا يمكن أن تتغير، ولست واثقاً من استنتاجك أن هؤلاء لا يأتون إلى الفعل الجماهيري الحقيقي، المظاهرة أو الاعتصام، بل السؤال الآخر هو الذي يطرح نفسه بقوة، هل ترى أن من خرج للتصويت قدومه مضمون للعمل الجماهيري؟ سأصعب عليك السؤال قليلا: هل ال 15% من المصوتين، الذي خرجوا بفعل دبة الصوت والفزعة وال"منشان الله" في الساعتين الأخيرتين (سأتجاهل التزوير لعدم تشتيت الحجة)، هم نشطاء جماهيريين سنراهم في المرة القادمة كوادر نشيطة؟؟ ماذا يسمى هذا إن لم يكن الكيل بمكيالين، أو كما قال المثل الشعبي "فص مخايل ما بسايل وفص حنّة إله رنة"؟
المسألة ليست بسيطة يا رفيق، فأنت تعدّ أصواتاً نزلت الصندوق دون أن تتعمق في كيف نزلت ولماذا، ولكنك تريد مني أن افصل وأفصفص كل صوت قاطع الانتخابات، أن تسمي كل من شارك في الانتخابات مصوت، ولكنك تريد مني أن أكون حذرا في المصطلحات، بين "عدم مشاركة"، "مقاطعة"، عدم مشاركة ايديولوجية، عدم مشاركة من إحباط، عدم مشاركة من لا مبالاة... أنت تقوم بذلك لاعتقادك بأن المشاركة هي الأساس والمقاطعة هي الاستثناء فتطلب مني أن أبرر الاستثناء، وأنا أرى أن المقاطعة هي الأساس والمشاركة هي الاستثناء، وسؤالي هو: هل تريد من المقاطعين أن ينزلوا إلى الشارع يوم الانتخابات ويقاتلوا على كل صوت، كما تقاتل الأحزاب على كل صوت، وبنفس أساليبها؟ وعودة إلى قريبتي السبعينية: هل حرام مني أني قلت لها قاطعي ففعلت، وحلال لو قلت لها صوتي فصوتت؟؟
يا رفيق، المقاطعة تتراكم والأحزاب ترى هذا ولكنها غير مستعدة للتفكير فيه، وحتى اليوم، لا أجد غير إنكارها مبررا للهجوم غير المسبوق على المقاطعين واتهامهم بأنهم أوصلوا نتانياهو للحكم، في حين أن دحض هذا الأمر لا يحتاج للقب جامعي في الرياضيات، بل يحتاج فقط شخصاً يعرف العد إلى المئة وعشرين، وعليه، فعلى الجميع، وبالذات، الأطر التي شاركت في انتخابات الكنيست، أن ترى في خيار المقاطعة خياراً شرعياً، وعلى ضوء النتائج الأخيرة للانتخابات، ربما عليها دراسة هذا الخيار وتطويره بدل تخوين حامليه.
• رابط مقالة هشام: http://www.aljabha.org/index.asp?i=74139
