جنون العصر

single
  لست مخطّطاً استراتيجيّاً ولا عالماً اجتماعيّاً ولا خبيراً اقتصاديّاً. أنا كاتب وصناعتي الكلام. أكتب ما أؤمن به وما أفكر به. أصيب أحياناً وأخطئ أحياناً. هناك أمور تقلقني وهناك مواضيع معرفتي بها مثل معرفتي باللغة الصينيّة. وكلاهما مهمّ وذو قيمة، مثلاً لا علاقة لي بالبورصة ولا معرفة لي بها سوى أنها تشبه بحيرة طبريا. لماذا تبتسمون؟ يقول المذيع في فصل الشتاء الماطر الغزير فرحاً: إنّ منسوب المياه في البحيرة قد ارتفع وعلا. فأطمئنّ، ثم يولول في فصل الخريف نادباً يوم بعد يوم: إنّ منسوبها هبط إلى ما تحت الخط الأحمر، فيكاد يقنعني بألا أستحمّ يومياً كي أوفرّ شربة الماء للآخرين. وهكذا البورصة، يعلن المذيع في التلفاز فرحاً أنّ الأسهم ارتفعت والأرباح زادت فلا أهتمّ، فالشهر الذي ليس لك شيء فيه لماذا تحصي أيامه؟! وبعد أيام يبدأ المذيع نفسه يبكي ويولول بأنّ البورصة تنهار في شيكاغو ونيويورك وأنّ الاقتصاد العالمي في أزمة والكارثة اقتربت، وعندئذ أحزن.
  يبدو أنني ساذج.
  أشعر بقلق من جنون العصر الذي نحياه ونعيشه ونمارسه فنحن مجتمع تغيّر كثيراً وبسرعة كبيرة في العقود الأخيرة. مجتمع يصرف أكثر مما ينتج فالعائلة تصرف أكثر مما ينتج الوالدان والسلطة المحلية تصرف ما يفوق دخلها والناس على دين ملوكهم فحكومات العالم أيضاً كذلك.... في اليونان وفي اسبانيا وحتى في أمريكا.
  نحن مجتمع مبذر نشتري حاجات عديدة بتأثير الاعلام  والدعاية ونحن لسنا بحاجة إليها. التلفزيون والراديو والانترنت والتليفون والجوال والصحف تعرض علينا البضائع والخدمات وتحفزّنا وتحثّنا وتغرينا لشرائها وهيهات أن نقف محصنين أمامها.
  كنّا في القرن الماضي نوفّر ما بين عشرة بالمائة إلى عشرين بالمائة من الراتب الشهريّ فصرنا اليوم نصرف ما يزيد على العشرين بالمائة منه، وكان الفرد منّا يكتفي بقميصين وبنطلونين وحذاء واحد ينتعله صباحاً ويخلعه مساءً وقد يصلّحه عند الاسكاف فصارت خزانة الملابس متخمة بالقمصان والبدلات والبناطلين والأحذية. سألت حفيدي قبل أيّام: بكم اشتريت هذا الحذاء؟ فأجابني: بثمانمائة شاقل. قلت: مبروك فهذا حذاء يمشي لوحده ويغني أحياناً. وكانت زوجتي في القرن الماضي تملك فستاناً واحداً للمناسبات: للخطبة وللعرس وأما كنّتي أو بنتي اليوم فتشتري خمسة فساتين دفعة واحدة لكل مناسبة فلا يصح أن ترتدي في المساء ما ارتدته في الصباح ولا يليق أن تلبس اليوم ما لبسته بالأمس. وكنّا نكتفي بنوع واحد من الفاكهة من فواكه الموسم فصارت الثلاجة سوقاً لأصناف متنوعة، وكنّا نتناول طعامنا دائماً على مائدة البيت فصرنا نرتاد المطاعم أسبوعياً وندفع نقداً وبالفيزا. كنّا نسافر.... وكنّا وكنّا......
  أرجوا ألا تؤاخذوني على التعميم فهناك قاعدة وهناك استثناء وأنا قلق من هذا الجنون، جنون الصرف الزائد، جنون التبذير، جنون الحياة بالدين والزواج بالدين والأكل بالدين والسكن بالدين وانجاب الأولاد بالدين وحتى الموت بالدين.
  جنون هو أن نصرف أكثر مما ننتج وأن لا نفكر بالفرش الأبيض لليوم الأسود.
  هذا هو جنون العصر.
قد يهمّكم أيضا..
featured

"مجنون" عاقل؟!!

featured

وداعا رفيق أحمد !

featured

سنة دراسية مباركة

featured

عاقِبونا بمحبّة لنقبل عقابكم!

featured

ملك الكذب السياسي، نتنياهو

featured

بيت موحّد وعزيمة حرّة

featured

لمواجهة ترامب باحتقار علنيّ ومنظّم!

featured

الثورة واللغة والأكل