الثورة واللغة والأكل

single

اختار الملايين من الشابات والشبان في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا اللغة الفصحى في هتافهم الشهير "الشعب يريد إسقاط النظام" فالمصريّون لم يهتفوا "الشعب عاوِز" والآخرون لم يقولوا "الشعب بدّوا" وفي هذا رسالة بأنّ الفصحى هي الأصل وهي الأغنى وهي لغة الوحدة العربية ولغة الثورة ولغة النهضة القومية ، كما أدخلت هذه الثورات كلمات جديدة إلى لغة الأمّة مثل: بلطجيّة وشبّيحة وزنقة حتى أنّ كلمة "ارحل" صار لها إسقاطات رحبة الفضاء.
اللغة كائن حيّ متطور نامٍ تستفيد من الأحداث ومن الزمان ومن علاقات الشعوب ببعضها البعض فهناك كلمات عديدة تغيّر معناها مع الزمن فكلمة "سيارة" التي كانت تعني قافلة أو القوم الذين يسيرون أو جرمًا سماويًا صارت اليوم مركبةً تسير بمحرّك كما أنّ كلمة "عزّر" التي يقال أنها من الأضداد التي كانت تعني أعان أو نصر أو ساعد صارت اليوم تعني أهان أو أنّب فقط وكلمة "قشيب"التي كانت تعني جمالا تغيرّت رأسًا على عقب والويل لمن يلاطف سيدةً ويقول لها إن وجهها قشيب وكلمة " جِفس" التي كانت تعني الضعيف أصبحت اليوم تعني الغليظ أو شديد الطباع أو الخشن وكلمة "جِفت" التركية التي تعني زوجا أو اثنين صارت تعني بندقية ذات فوهتين. وهناك كلمات عديدة كنا نستعملها في طفولتنا انقرضت ولا يعرفها أبناء الجيل الجديد مثل كلمة "عجّال" أي قطيع البقر و "دخنوس" أي دغل بين شجر الصبار و "الرضف" أي الحجارة المحماة التي كانت تملأ الطابون وتوضع عليها قطع العجين فتتحول إلى أرغفة شهية   و"الشوبك" الذي تدحى المرأة العجين به كما أنّ هناك كلمات فلاحيّة أصبحت بائدة مثل الشرعة والناطح والمصّة وهل يعرف أحد من أبناء الجيل الجديد أنّ "الموص" هو التبن الناعم وأنّ "العواذر" حجارة على البيدر تفصل التبن عن الموص وهل يميّزون بين الغربال وبين الكربال وبين المنخل.
كنت في الشهر الماضي في مدينة تورينو ودعيت إلى عشاء احتفاليّ وكان على المائدة ألوان من الطعام منها خضرة بلون العشب فقال أحد الطاعمين: ما أطيب هذا العلت! فصححه آخر: هذه خبيزة زاكية.  وابتسم السبانخ الأخضر.
هذا الجيل لا يعرف العلت والخبيزة واللوف والخردلّة ولا يعرف العصيدة والمفروكة والزلابية واللزقيّات والشلباطو والشيخ برك بل يعرف التشيبس ( وليس البطاطا المقلية ) والتشيكن ( وليس الدجاج أو الفراخ ) والهمبورغر والشنيتسل والغريل ( وليس الشواء ) فنحن في زمن الكوكا كولا
والأكس إل والبلو وليس في زمن الليمونادا وماء الورد والشراب ونحن في أيام الماكدونالد والكنتاكي وليس في زمن الفوّال. فالزمن يسير ويتغيّر والناس يتغيّرون واللغة أيضا.
هل تطيح هذه الثورات الشعبية بالأنظمة الدكتاتورية فقط أم ستطيح بكل ما هو غريب ومغشوش في حياتنا؟ وهل ستعيد إلى لغتنا رَونقها والى موائدنا الطعام الصحيّ الشهيّ وتبعدنا عن الأكل الأمريكيّ الوسخ؟
حبذا.....!!!

قد يهمّكم أيضا..
featured

رسالة إلى الأب جبرائيل نداف المحترم

featured

لا لحبل نجاة لإسرائيل!

featured

كل المستوطنات جريمة حرب!

featured

شرطة في غير خدمة المواطن

featured

أطماع غربية في الشام

featured

أعمدة وسنديان دولة فلسطين

featured

أريد عطلة استجمام هادئة

featured

وعلى كتفي نعشي ... سأمضي