أعمدة وسنديان دولة فلسطين

single

لو حدَّث مزارع فلسطيني انه يحتضن عشرة "اعمدة" رومانية، لالتبس الامر على كثيرين، فكان الشرح والتفسير ضرورة لمن عادوا من جامعة اوكسفورد، كامبردج او هارفرد متخرجين و ينابع العلم شاربين. نعم. عبارة "عامود" ليست عادية ولا تقليدية عند بسطاء و صغار الفلاحين كما ملاك الارض بحقول زيتونهم  متفاخرين و على الملأ متباهين. "العامود" عند الفلاح؛ زارع الارض و كل من وضع الله في يده حرثا تعني شجرة زيتون معمرة.
فالزيتون الذي بحسب الرواة والمحدثين كان الرومان اول من حمله الى ارض مولد السيد المسيح عليه السلام، اصبح توأمها و روحها بعد ان عم خيره طول البلاد وعرضها بسهولها، سفوحها و جبالها لتكتسي حلة خضراء راحة للعين، طيب برائحته ينشرح الصدر و الى البلاد من كانوا حاجّين زائرين او معتمرين تأخذهم الى الجنة طعمته و منه دواءً للمرضى و المُعتلين. اصاب احدهم الزكام او البرد قالوا ادهنوا صدره بالزيت، بُح الصوت، التهبت اللوزتان، ألم في الحنجرة و ضيق تنفس قالوا دلكوا عنقه بالزيت، اصاب اذنه الداخلية او الخارجية ألم مبرِّح قالوا نقطوا في اذنيه قطرات من الزيت. مَغصٌ او وجع يدهم الامعاء قالوا ليُسقَ ملعقة زيت زيتون.
في القرن الحادي والعشرين امر الاطباء وسط المملكة المتحدة بعلاج سموه قطرة زيت الزيتون، مملكة جلالتها التي حاك مخترعوها و صناعها للبرغوث لباسا و للقملة عباءة تعلموا فوائد زيت الزيتون للأكل و لعلاج الجسد متأخرين.  الجوع،  تفتك به كراديش الطابون، ارغفة "كماج" او مرقوق بالزيت مغموس كالاسفنج طراوة و مذاقا شهيا لمن كانوا بالذوق و طعم اللسان عارفين، هو لأمعاء الفقرا على الدوام وسادة وسندا و حارس صحتهم وعافيتهم الامين. زعتر جئن به صبايا او عجائز من سفوح الجبال مغمسا بالزيت يفتك بالجوع و يحصن الجسد الى طويل العمر و رجال قبضاتهم تفل الحديد. لصوص حضارة القرن العشرين، علماء الولايات المتحدة بقوا جهلة بمنافع وفوائد زيت الزيوت الخالي من الدهنيات و الدهون او ما يسمونه كوليستيرول الا بعد ان تعلموه من اهل جليل فلسطين.
الطريق 85 من عكا الى الشمال الشرقي تمر بموازاة قرى و بلدات: ابو سنان، كفر ياسيف، يركا، الجديدة- مكر و البروة المنحورة انين حجارتها لعنة في وجه المغتصبين، بقايا اطلال و الروح شامخة بجيران قبل الدار جاؤوا، تاريخ تصونه ذكريات الاهل المنكوبين والجيران المرابطين فصقلها محمود درويش ياقوتا حفرت اثره فراشة فتركت فسيح المرابع لها صدرا بين شقيقاتها الخالدات ابدا في ضمير اهل الوطن فوق ترابهم صامدين.  اطلال البروة تفترش الارض ثكلى توقفت عن النحيب وانظارها شاخصة بانتظار ابنائها الاولين في قارات الارض مشتتين و حزن اهل الجوار من جيران شربوا اصالة الزيت حفظته من جور الايام وعبث الضوء خوابي راشوية، عشق الفخار ملمس ايدي صناعها فأحبهم و تعانق من يومها تراب الفخار والراشويين. وفاء والم ينكأه السير على تلك الطريق لتوقظ حكايات تستهزئ بأكاذيب حكومة المستوطنين؛ كثير البلدات و القرى لا فرق بين سمرة اهلها وتنوع معتقداتهم  يشهد عناق مآذن مساجدها واجراس كنائسها اخوة الايمان وعشق الأرض في قلوبهم فولدوا متحدين على قلب رجل واحد  يواجهون من كانوا لأرضهم سالبين و لحقهم مغتصبين.
وطن بيوته شامخات تآلفت في تربعها فوق التلال و على السفوح متجاورة اهلها متحابين؛ الا نفر ضالة باع مارقوها الضمير، فخانوا الامانة، نكروا المعتقد و الدين فكان اهلهم لهم نابذين كالعنزة الجرباء بنفوسهم الذليلة معزولين. عَلمُ كفر ياسيف و قبلها عكا و الجليل، المربي ابن الفلاح قبض على جمر الوطن عقودا طويلات و كان لهموم اهله جمل يحمل احمال امانة كرهتها الجبال و منها فرت ليحتضنها جمل امه ونمر وطنه المرقسي  كتب مؤرخا يقول " بعد نزول بعض الركاب من الباص الآتي من تل ابيب.. فصعدت وجدت مكانا شاغرا بجانب احد العمال، وبعد طرح السلام بدأت بيننا الاستفسارات المتبادلة عن احوالنا و اثناء الحديث لمحت على استدارة رقبته عند التفافها بالكتف نتوءات بخشونة غير عادية فحسبتها مرضا "سلامتك يا ابو حسن ما لرقبتك؟" أجابني "لا شيء يا استاذ الحمد لله".. ثم حنى رأسه  ليتيح لي رؤية مؤخرة الرقبة، يا للمنظر المزعزع ! كانت جلدة الرقبة أشبه برقبة ثور الحراثة الكهل الذي اكل النير منها راقات. " و لكن لماذا هكذا يا ابو حسن؟ هل راجعت طبيبا؟" "ما في لزوم يا استاذ هذا مش مرض هذا من الشغل"... و حكى لي انه يعمل في رفع درجات البنايات التي يبنونها ، من الارض حتى الطابق الرابع او الاعلى منه درجة بعد اخرى . . . " (نمر مرقس، اقوى من النسيان – مذكرات غير عادية لانسان غير عادي، دار راية للنشر، حيفا، 2013، ص 262).
كان رائد نصرالله يحكي لنا زملاء الدراسة، كيف كان والده الحداد يعود مساء من العمل فيستقر في احدى زوايا البيت ورأسه الى الزاوية مسنودا عند التقاء الحيطين، وجه الى الاعلى مرفوع لوقت طويل، مع السنين تعب الحائط لتعب جسده، فانطبعت الزاوية "بزبيبة جهاد"، لِجَلد و صبر حداد لا لأمر الا لإعالة صيصانه (الابناء و البنات).   الصديق مروان مشرقي كان يسترسل في الحديث عن شقاء والده حمالا لا بل عتالا في ميناء حيفا، فاشًّا خلقه و مروِّحا عن نفسه بالشراب و الغناء للمروكيات (النساء للمغربيات) ذوات "العين الكحلا". سامية حكيم النصرواية اغرورقت لمرارة آهاتها العين و هي  تقص على المشاهدين في حضرة محمد البكري البعناوي (وجها لوجه) من على شاشة فضائية فلسطين، مساء الاثنين 24 حزيران / يونيو2013 فصل من كتاب النكبة، دجنها زمن الحضيض كُتاب فسموها "تغريبة"، الفلسطينيون نكبوا و ثكلوا بل زُلزلوا و زندق بالجهل ناطقا من سماها "تغريبة".
حدثني والد علي شعبان رحمه الله انه وابناء المخيمات لم يجدوا عملا منتصف الخمسينيات الا البناء او في نكاش بساتين الليمون و الموز في الجنوب، حيث  العمل يطول الى 12 ساعة يوميا، مقابل اجر ليرتين (اقل من دولار) واضاف كنت بين ندرة من الرجال الصائمين نحرث ارضا حيث تعجز الثيران عن حرثها وشهر رمضان في عز آب/ اغسطس اللهاب (حكاية لا يقبل العلم و لا العقل بها، لكنها مأثرة من مآثر من تحدوا اللجوء و أطعموا صيصانهم ليكونوا متعلمين بناصية الحق ملتزمين). لم اتجاوز الخامسة عشرة عندما كان والدي يأخذني لأعمل معه في قطاف الليمون مع الحجاوي، وكيل شركة صفا للحمضيات في صيدا. كان يندهني المكلف بتحميل القطاف، تعال يا حسين، أدر كتفيك، ثم يعلق على كتفي اربع سلال بالخيش مبطنة (فورة) زنة الواحدة لا تقل عن 7 كيلوغرامات صيفا و ضعفها شتاء؛ على كل كتف سلتين وحمالة المرس (حبل رفيع)  تحز لحم كتفي ولا اجرؤ على التأوه او الرفض. صامتا احمل السلال و اسير وجزمتي كثيرًا ما تعلق في الطين، اتوجه بها الى خارج الجل على الطريق حيث افرغها لـ "العريب" (مختص بفرز الحبات و فصلها بحسب الجودة او الحجم). و كثيرا ما كان بعض كبار السن من العمال يقولون حملوه خليه يعرف قيمة المصاري (النقود) و العلم و التعليم عله ينفذ من مصابنا فيجد وظيفة افضل واكثر دخلا من بلوانا هذه.  الفلسطيني في الهم واحد لا فرق بين من طرده الصهاينة الى خارج الحدود او من بقي تحت حكمهم ملتصقا بأرضه رغما عن انوفهم. 




(يتبع)     
(الكاتب باحث يعيش في لندن، المملكة المتحدة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الجولان عربي سوري، وسيبقى!

featured

معركة الأمعاء الخاوية

featured

شهر يوم الأرض

featured

سوريا: تركيا شمالًا وإسرائيل جنوبًا!

featured

إنهاء الانقسام.. مجرد أوهام؟

featured

وماذا يجري حقيقة في سورية؟