يُحكى عن بن غوريون.. باني دولة إسرائيل التي نعيش فيها!! بأنه كان دائما يقول "لا يهم ماذا تقول الأمم المتحدة إنما المهم ماذا يعمل اليهود"!! وإذا قيل له ان الأمم المتحدة قالت كذا وكذا فجوابه كان ساخرًا تهكميًا لهذه المؤسسة الدولية فينعتها "اُوم - شموم"!
الكلام والفعل قيمتان اجتماعيتان الفرق بينهما كبير وكبير جدًا. فالحكيم الذي قال "ليس المهم ان تلعن الظلام بل المهم ان تضيء شمعة"!! والآية الكريمة التي تقول "واما الزّبد فيذهب جفاءً واما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" صدق الله العظيم، واصاب الحكيم لان في الحالتين برزت بشكل متفوق مكانة العمل على الكلام!
قد لا ينتهي حديثنا عن العمل والكلام إلى مطلع الفجر!! فالفجوة واسعة بين "طزع الحكي" والممارسة الفعلية على ارض الواقع.. ومهما قلنا عن الكلام فهو يبقى كلاما لا قيمة محسوسة له. اما العمل فهو التنفيذ العملي للكلام وتحويله إلى واقع محسوس يستطيع المرء ان يتحسسه بيديه وان يراه بعينيه ثم يتفاعل معه ويستخرج منه ما هو نافع له ومفيد!
من هنا نرى أن جميع النصائح والتوجيهات تدعو المرء إلى العمل.. إلى الإنشاء إلى تنفيذ ممارسة يدوية تغير من واقع الأرض.. ومن طبيعتها لتخدم الإنسان الذي يعيش عليها! لقد مجد التاريخ أبناء الأمم الذين عملوا وافنوا حياتهم في بناء نهضة شعوبهم بأعمالهم.
ففي كثير من الأحيان يتحدث الناس عن هذه الأعمال وعن الذين صنعوها متناسين ان هؤلاء البناة قد رحلوا وماتوا وليسوا من ابناء الحياة بيننا!! ولكن خلودهم اعتمد على ما فعلوه وما قاموا بتنفيذه على الأرض.. وكما قال قائل فقد اكتسب هؤلاء حياة جديدة بأفعالهم..
إن ما انصح به نفسي والناس.. هو الانصراف للعمل والعمل والعمل.. لقد شبعنا و"دنّقنا" من الكلام ومن التوجيهات!! فلنسلك من الآن فصاعدًا طريق العمل طريق الإنتاج عندها نكتسب القيمة التي نعتقد اننا نستحقها في أعين الأصدقاء والخصوم على حد سواء.. في التاريخ عشرات القصص والأمثلة التي حبذا لو التفتنا إليها وقمنا بتقليدها لننجح بها كما نجح آباؤنا السّالفون!! وعليه سأورد مثلين أرى فيهما مثالا عظيمًا لنقلده ولنتبعه وهذان المثلان.. هما إسرائيل وإيران.
قبل الخوض في هذين المثلين دعوني اعترف ان الفرق بينهما كبير وان البعد بينهما هو بعد المشرق عن المغرب...!! ففي حين حظيت الحركة الصهيونية وإسرائيل فيما بعد بكل الدعم العالمي الذي لا يعرف الحدود، نرى ان هذا الدعم العالمي يتحول إلى عداء شامل ضد الكيان الإيراني والسياسة والتطور والاقتصاد، عداء نراه يستقطب جميع القوى العالمية في استنفار غريب تقوده دولة إسرائيل يهدد ويتوعد ويلمِّح صباح مساء بإمكانية شن الحرب على إيران بكل ما في الحرب من ويلات ودموية.
ومن مراجعة سريعة لتاريخ إسرائيل وقيامها ودورها في السياسة الدولية نرى ان الحركة الصهيونية أقامت إسرائيل بأقل من مائة سنة.. أقامتها دولة ذات شوكة لا تلتفت إلى تحسين علاقاتها مع جيرانها.. تتوسع على الأرض العربية تبني وتخلق واقعًا على الأرض لتفسد أي حل قد ينفع الفلسطينيين، تحد من توسع وتطوير العرب من مواطنيها وتحتل البلاد والتي اعترف بها العالم وطنًا فلسطينيًا.. بقوة جيش ذي "ذراع طويلة" لفرض سياسة إسرائيل على العالم بالقوة!!
وقد عملت الحركة الصهيونية وإسرائيل دائما على إحياء امة بلغة عبرية موحدة لجميع سكانها الذين قدموا من كل أنحاء العالم ونظام سياسي يضع نفسه في مقدمة النظم السياسية في العالم. يفضل جميع أنظمة الحكم في الشرق الأوسط!! وكل هذا كان بالعمل والتحصيل والتجارب العملية، فها هي إسرائيل سنة 2012 تطرح نموذجًا عمليًا خطط له ونفذه زعماء الحركة الصهيونية للسياسة والاقتصاد والبناء والصناعة والزراعة.. بدءًا من بن غوريون مؤسس دولة إسرائيل إلى زعامة إسرائيل الحالية وعلى جميع المستويات!!
اما إيران التي أمضت سنوات الستين والسبعين في دور الدولة العميلة الفاعلة في أحلاف تخدم مصالح غيرها من الدول.. فقد نفضت عنها هذه الصفة لتصبح اليوم دولة عظمى باقتصاد وطني ومجتمع يعي معنى احترام الذات.. يلعب دورًا سياسيًا تصفه الدول العظمى بأنه خط عالمي. دور مهيمن في منطقة الشرق الأوسط تحسب له السياسة الدولية كلها ألف حساب.. لا نبالغ إذا قلنا ان بروز الدور الإيراني في المنطقة يستقطب دول العالم والقوى العالمية وتجعلهم يخططون للقضاء عليها...
هؤلاء يعلمون جيدًا ما عند الجيش الإيراني من قدرات. فبعدما صنع هذا الجيش أدواته العسكرية بنفسه وأصبح جيشًا عصريًا يمتلك جميع وسائله العسكرية مختومة بختم إيراني.. ينبري هذا الجيش ليدافع عن سياسة قوامها الدفاع عن إرادة وحرية وكرامة الشعب الإيراني في سيادة أموره واتخاذ كل القرارات التي تتماشى مع مصلحته هو!
الدولتان إسرائيل وإيران لم تعيرا اهتماما لما يقوله الرأي العام العالمي عنهما!! ولم تطلبا رضى وسائل الإعلام العالمية عن سياستهما!! ثم انهما ليستا ممن ينتظرون دعم المؤسسات الدولية لخطهم السياسي!!
الدولتان تعملان وتنتجان صباح مساء وعلى جميع الصعد، لإيمان كل منهما بان بالعمل وحده يكمن النجاح.. هذا ينطبق عليهما وعلى كل من هو في شاكلتهما وعلينا نحن أيضًا.
فلنعمل ونعمل ونعمل.. إذا أردنا ان يحترمنا الغير!
(دير الأسد)
