*لم تُفلَح الشعوب العربيّة في العقود الأخيرة بصُنعِ إبرةٍ، فكيفَ لنا أن نفتخِرَ بحاضِرٍ عربيٍّ "مَخصِيَّ" الكفاءة والقُدرة الانتاجيّة ودائِم النشوَة الجنسيّة. فألفُ شُكرٍ للحَربِ الّتي كشفَت الخمول العربيّ، زعامةً وشعبًا*
* في البداية، لا ننسى الموصل*
لا سُلَّم أولويّات في الإنسانيّة. فلا يُمكن أن نَقِف رافضين للحرب القائمة دون أن نرفُض، بالتوازي والتساوي، ما يحصُل للعرب المسيحيّين في الموصل. وعلى ظِلالِّ الحَرب، علينا أن نَقِف معًا، عربًا ويهودًا، لنُمَحوِر أركان التعايُش بين شَعبي البلاد. وكذلك في الموصل، لا بديل عن الرِّباط الاجتماعي والتكاتُف الوطنيّ في وجهِ الشياطين الجُدد، داعِش.
* نرفض الحرب، فكرةً وتطبيقًا*
نرفض الحرب، فكرةً وتطبيقًا، ولا يُمكن لأيِّ عاقلٍ أن يلهث وراء إراقة الدماء وتدمير البيوت وأحلام الأطفال، لكِلا شعبي البلاد، وإن اختلفت موازين القوى والاعتبارات والطموحات. فليسَ للقتل أيّ مُبَرِّر، حتى وإن ارتبط بمُسمّيات النضال الوطنيّ أو الدينيّ. فالقاتِل هو قاتل بالمضمونِ والجَوهَر والعقاب (قانونيًّا ودينيًّا). وقد يكون إيجاب الحرب، أو الحروب الأخيرة إن صحَّ التعبير، هو شعارٌ يُخاطب المنطق والعقل والعاطفة، ويصوغ أملًا يفيض شراكةً وتعاونًا، ألا وهو "العرب واليهود يرفضون أن يكونوا أعداء". ولا يُمكن اعتبار هذا الشعار نشازًا، في حين غالبية الفلسطينيّين، مواطني إسرائيل، يعملون وِفق هذا الشعار يوميًّا، وكذلك الكثير الكثير من اليهود، خاصةً اليساريّين والتقدميّين منهم.
*وإن جاز الاختلاف، لا يجوز الخِلاف*
الصِّراع ليس بين العرب واليهود، كما لا يُمكن صياغة الحرب الفائتة والقائمة والمُستقبليّة "كصراع البقاء"، وإنِّما الصِّراع يهدف إلى مكاسِب سياسية للسيطرة على السُّلطة في كلا الجانبين. وعلينا مَنع ونَبذ كل من يُحاول بَلوَرة الصِّراع كصِراع قومي أو ديني، من مُنطلق غير قابِل للتأتأة، وهو أنَّ هذا الصِّراع المُمتَد منذُ مئات السنين هو سياسي بَحت. وإن جازَ الاختلاف لا يجوز الخِلاف. لذلك، علينا انتهاز "التعدُديّة" في البلاد كإيجاب، وليس كعِبء يُعاني منهُ شعبا هذه البِلاد.
*عودة الرّوح*
إنَّ تداعيات العدوان القائِم على غزة قد أفرزت لُحمَةً وطنيّة واجتماعيّة للفلسطينيّين، مواطني إسرائيل. فالمُجتمع العربي بكافة أطيافه وانتماءاته رفضَ، وبوضوح، العدوان على قطاع غزة. كما أنهُ حافظَ على متانة العلاقة العربيّة – اليهوديّة، رغم الاختلاف في الرؤى وبتحليل الوضع القائِم. فبعدَ خصيَ الرَّوابِط الاجتماعية، الذي كان أحد نواتِج انتخابات السُّلطات المحليّة الأخيرة، يعود المُجتمع العربي بالالتئِام والالتحام رافضًا العدوان وقتل المدنيّين من كِلا الجانبيّن، ومُنادِيًا بالسّلامِ العادل والشامل لكَونه، أي السّلام، يُمثِّل رافعةً اجتماعيّة ووطنيّة وثقافية لشعبي البلاد.
*الصّمت العربي*
الصّمت العربي هو سيّدُ الموقف، زعامةً وشعبًا، في حالتي غزّة والموصل. وقد أتَفَهّم الرفض لحماس لارتباطها بإخوانها من المُتأسلمين، كما أنا أرفضُ حماس تنظيمًا وفكرًا. لكن لا يُمكن حصار حياة ما يُقارب 1,8 مليون إنسان بسبب الموقف المُناهض لحركة حماس. فحماس لا تُمثِّل، بإعتقادي، غالبية الشعب الفلسطيني. ولكن لا من غريب إزاء هذا الصّمت العربي المقيت، في حين لم تُفلح الشعوب العربيّة في العقود الأخيرة بصُنعِ إبرةٍ، فكيفَ لنا أن نفتخِرَ بحاضِرٍ عربي" مَخصِيَّ "الكفاءة والقُدرة الانتاجيّة ودائِم النشوَة الجنسيّة. فألفُ شُكرٍ للحَربِ الّتي كشفَت الخمول العربي، زعامةً وشعبًا.
*راديكاليّة اليمين مُقابِل شح اليسار*
لا يُمكن المُراهنة على اليسار الإسرائيلي في ظِّل تكاتُف اليمين واليمين المُتطرف. إنَّ راديكاليّة اليمين، في السّنوات الأخيرة على وجه الخصوص، أثمرت جيلًا يُعادي العرب واليهود التقدُميّين، الرَّافضين للحروب بشتَّى أنواعها وأسبابها. إنَّ الإرتِكاز على قوى اليسار الحزبيّة فقط في مواجهة التطرُّف الحاصِل هو مُقامرة ومُغامرة، قد لا يُفلح في التغيير المرجو للحد من راديكاليّة اليمين. لذلك، على الأحزاب اليساريّة وبالتعاون الكامِل مع الأحزاب العربيّة، فتح قنوات حواريّة – جدليّة مع الجمعيات والمؤسسات المُختلفة الّتي تبحث وتعمل في المجالات الحقوقيّة والقانونيّة والمساواة والسلام، لمحورة خطة عمل مُمَنهجة تشمل جميع مجالات الحياة اليوميّة، بُغية إيقاف الراديكاليّة المُتفاقمة في المُجتمع الإسرائيلي.
*الجبهة وقيادة الشارع*
تأخُر الجبهة عن قيادة الشارع أدَّى إلى انفلات تنظيمي بوسائل وآليّات الاحتجاج على الحرب غير المشروعة. لذلك، على الجبهة أخذ دوَرها الطليعي في مُكافحة هذا الانفلات والانحلال الثقافي بكُلِّ مفاهيمه وأبعاده. إضافةً إلى المُبادرة لهيئة شبابيّة جامعة ووحدويَّة لا حزبيّة، تُناقش وتبني فعاليَّات شبابيّة وطنيّة، ثقافيّة واجتماعيّة. من غير المنطقي استثناء وإقصاء الجبهة من قيادة الشارع، وإن ضعفت تنظيميًا وشعبيًا في الآونة الأخيرة. إنَّ العدوان القائِم أثبتَ أنَّ لا غِنى عن طليعة الجبهة في القيادة، وذلك لما تُمثِّله من خطاب مبدئي وجريء وعقلاني معًا ورؤى سياسيّة واجتماعيّة تُحاكي العرب واليهود معًا. وفي ظِلِّ راديكاليّة اليمين، على الجبهة وسائِر الأحزاب العربيّة، توسيع محوَر التعاون والشراكة العربيّة – اليهوديّة، لما فيهِ من إيجاب لشَعبي البِلاد. فألفُ شُكرٍ للحرب الّتي أعادت الرّوح والثقة إلى الجبهة وهيئاتها ومركباتها المُختلفة، خاصةً بعد كابوس انتخابات السُّلطات المحليّة الأخيرة.
(الكاتب طالب لقب ثانٍ بجامعة حيفا وعضو جبهة الناصرة)
