لم يخطر ببالي مرةً أنني سأحمل قلمي وأرثيك، أو أن أتحدّث عنك بصفة الغائب، لكنني قررت أن أكتب بقدر ما أستطيع، مع يقيني أن الكلمات لن تفيك حقك وقدرك.
وأنا أحاول الكتابة، كادت أناملي ترتعش وهي تخطُّ الكلمات، فاحترت كيف أبدأ ومن أين، وكيف لأخاطبك بلهجة كان، أو كُنّا، فأنت في الفؤاد كنت وستبقى، أنت الغائب والحاضر فينا إلى الأبد، وأنت الأخ العزيز وربّ أخٍ لك لم تلده أمك.
كيف لي أن أنسى مجالس السمر أيام الدراسة في الاتحاد السوفياتي، فقد كنتَ دائمًا بوصلتنا وقائدنا في الخلية الحزبية فرع ليننغراد. ولمتانة صداقتنا التي جسَّدت كل معاني الحب والوفاء وتماسكنا بعلاقات رفاقية واجتماعية أبدية، لم تتوقف في كل مناسبة عن ترديد ما وصفتنا به بفخر وإباء واعتزار وتقول "نحن الكولخوز الليننغرادي".
أيها الحبيب الغالي!
كيف لي أن أنطق كلمة وداعًا يا صديقي ورفيق دربي، وأنت لم تكن مجرّد سكرتير لفرع الحزب في ليننغراد، لأنني كلما عدت في الذاكرة إلى الأيام الخوالي وأجمل سنين العمر التي قضيناها سوية في بلد الاشتراكية الأول، وطن أكتوبر المجيد "الاتحاد السوفياتي"، ننهل العلم ونتزوّد بفكر وثقافة حزبنا الشيوعي، كنتَ أنت المعلِّم والمربي والموجِّه.
أذكر جيدًا عندما كنت تقف أمام الكادر وقفة القائد المتمكِّن والواثق بصدق التعاليم الماركسية اللينينية، فتقدّم البيان السياسي والبيان التنظيمي بهدوئك الذي تميَّزَت به شخصيتك المتواضعة الرقيقة، فكانت كلماتك تخترق أذهاننا لتصبح فيما بعد زادنا وزوّادنا، نتسلح بها في مشوارنا الطويل خدمة للإنسانية وأداة لمقاومة الظلم والاستبداد أينما كان.
ولا يمكنني أن أنسى، في ظل هذا الخضم، لحظات الشقونة البريئة... هل تذكر يا أبا محمد عندما كنا، أنا ورفاقي الياس طوبي وابراهيم الياس وجابر خوري نصنع المقالب والتشويش الصبياني خلال اجتماع الفرع، كنتَ تنفعل، ولكن بهدوء وسكينة، فتوجِّه لنا ملاحظات عابرة علّها تردّنا عن حركاتنا الصبيانية الشقية، ثم تلحقها بالتوبيخ وتنهي المعادلة بتقديم انتقاد شديد اللهجة. عندها يصبح وجهك الأسمر داكنًا ويزداد شحوبًا، ولكن سرعان ما تعود الأجواء لتأخذ مسارها الطبيعي. ثم يختتم الاجتماع بجلسة سمر وانبساط بالنسبة لنا جميعًا، أما أنت، حتى في أجواء الفرح وجلسات الانبساط، كنتَ دائما تذكر الحزب وكأنه المرادف واللازمة لأي موضوع يطرح، فكنتَ أنت والحزب توأمين، وعندما كان اسم أحمد سعد يذكر في أية مناسبة، كان الحزب ملاصقًا ومرادفًا لاسمه.
ألعزيز الغالي أحمد!
هل حقًا مضى على طيب تعارفنا أكثر من أربعين عامًا؟ هل الوقت خائن إلى هذا الحدّْ ليمضي بهذه السرعة ثم يفرِّقنا؟ ولكن مع ذلك فإننا نملك ما لا يملكه الكثيرون، الصداقة والحب الأبديين اللذين لن يقوى عليهما الموت.
لقد مضت السنين هناك وهنا، ولكن تواصلنا منحنا التحليق في ذكرياتنا الجميلة، فلم نكفّ في كل لقاء حزبي أو جلسة سمر عن التلذذ بسرد القصص والمغامرات الجميلة من أيام الدراسة، وفي كل مرّة كنا نعود ونكرر سردها وكأننا نرويها للمرّة الأولى، ثم نضحك إلى حدّْ القهقهة، ثم نعود ونستأنف تردادها في اللقاءات التي تليها. ولك فيها يا أبا محمد القسط الكبير.
أيها الكادح المجتهد!
سأسمح لنفسي وأنا أخط هذه الكلمات وتشاركني مشاعري في اختيارها، أن أوافق بكل جوارحي بوصفك أنك تجسِّد حنظلة الفلسطيني الذي حمل هموم الوطن والحزب، بل هموم كافة الشعوب المظلومة والمكافحة من أجل نيل حريتها. هذه هي سيرتك ومسيرتك وقد تركتَ خلالها بصمات سيسجّلها التاريخ في نشاطك البارز في كافة المناصب القيادية التي توليتها، في قيادة الحزب والمكتب السياسي، في رئاسة تحرير صحيفة الحزب الغراء "الاتحاد"، في نشاطك البرلماني في الكنيست، في كتاباتك وكتبك، في مقالاتك السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في دفاعك عن حقوق العاملين، أما رسالتك الخالدة التي اخترقت ضمائر الناس فهي شعار "سلام الشعوب بحق الشعوب"، فأنت لم تفوِّت مناسبة إلا وكنت تؤكد فيها على مبدأ أساسي للحل السلمي لا يمكن التنازل عنه وتقول وكأنك تترك وصية "لا عودة عن حق العودة".
هذا هو أنت يا أحمد سعد، شيوعي أممي ونصير للمضطهَدين، مناضل عنيد وصبور... هكذا عرفناك وهكذا أحببناك، ستبقى ذكراك فينا ما دمنا.
