بين رابين وأولمرت

single

من هو إيهود أولمرت الذي برأته محكمة اسرائيلية هذا الأسبوع، من قضايا فساد، كانت الشبهات حولها قد أطاحت به من رئاسة الحكومة في صيف العام 2008؟.
منذ أن شبّ أولمرت على الحياة، في سنوات الستين، سار في طريق والده النائب المتطرف مردخاي أولمرت، عضوا في حزب "حيروت" الصهيوني اليميني المتطرف، وخلال سنوات تعليمه الجامعي، عمل مساعدا برلمانيا لأحد النواب المتطرفين في حزبه، وفي العام 1974، قبل ان يُكمل العقد الثالث من حياته، بات عضو كنيست في حزب "الليكود"، الذي أنشأه حزب "حيروت" في تلك الفترة.
وبقي أولمرت في الكنيست والعمل السياسي حتى العام 2008، والتصق كليا بالتيار اليميني المتشدد، وحينما بات رئيسا لبلدية الاحتلال في القدس المحتلة في العام 1993 وحتى العام 2003، حطّم ما تبقى من قيود وضعها الاحتلال لنفسه في المدينة، ووضع أخطر المخططات الاستيطانية ذات البعد الاستراتيجي، وفي فترته، ظهرت أضخم الأحياء الاستيطانية، التي باتت تضم اليوم عشرات الآلاف من المستوطنين.
وكان أولمرت يُحلّق كل تلك السنين في أورقة قمة هرم الحكم، محمولا على أكتاف عصابات المستوطنين، ومجموعات الضغط الصهيونية المحلية والخارجية، وكان أولمرت يصل تقريبا إلى كل منصب طمح له، بفعل مواقفه المتشددة، مدعوما من تياره.
وخلال فترة حكومة أريئيل شارون الثانية (2003- 2006)، ظهرت بعض التحولات لدى أولمرت، حينما كان وزيرا مقربا من رئيسه، وهي تحولات من ناحيتنا تبقى طفيفة، ولكن على مستوى اليمين المتشدد، وبالذات المعسكر الذي تحرك فيه أولمرت على مدى عقود، فهو تحوّل كبير، خاصة حينما دعم خطة شارون لإخلاء مستوطنات قطاع غزة.
ووصل أولمرت إلى رئاسة الحكومة بفعل الصدفة، إذ كان خيار "اللا مفر"، بعد سقوط شارون في غيبوبة مفاجئة، ما يزال غارقا فيها، وشكّل أولمرت حكومته الأولى في ربيع العام 2006، و"افتتح" ولايته بمذابح في قطاع غزة ولبنان، وخلال شهرين قتل جيشه 1700 شهيد فلسطيني ولبناني، وكما بدأ، اختتم ولايته بحرب غزة، التي استشهد فيها أكثر من 1300 فلسطيني، يومها قالوا: إن ولاية أولمرت من أكثر الحكومات دموية في العقدين الأخيرين.
كل هذا لم يُشبع غريزة عصابات التطرف الصهيونية، التي تثبت المرّة تلو الأخرى قوة قبضتها على سير الأمور في إسرائيل، فمن ناحيتها، دخل أولمرت "في المحظور"، وأجرى مفاوضات مع القيادة الفلسطينية، وتعمق فيها، وتسرّبت معلومات تفيد بأن اولمرت اقترب أكثر من مخطط بيل كلينتون الذي وُضع في العام 2000، وكما يبدو فقد صدر حينها الحكم بحقه: الاغتيال السياسي.
في مقال نشرته في "الغد" يوم 29 تشرين الاول العام الماضي، استذكرت خبرا ظهر في قناة تلفزيونية اسرائيلية في شتاء 2008، يفيد بأن المستوطنين رصدوا مكافآت لمن يُوقع أولمرت في قضايا فساد، ولم تطل المدة، فبعد ذلك بثلاثة أشهر بدأت سلسلة القضايا تظهر. وقد حكمت له المحكمة بالبراءة منها، ولكن قبل هذا، كان أولمرت قد اضطر للنزول عن المسرح السياسي.
سيرة اولمرت، شبيهة من حيث تطرفها ودمويتها بسيرة يتسحاق رابين، رئيس الوزراء الذي اغتاله ارهابي يهودي في خريف 1995، فهو أيضا وقع أو أوقع نفسه "في المحظور"، فخاض في محادثات سلام مع العرب، وحتى أنه تجرأ على إحداث تحول إيجابي محدود في التعامل مع فلسطينيي 48، فصدر الحكم بحقه، ولم يشفع له، أنه جنرال الحرب الأبرز في تاريخ إسرائيل: قائد عدوان حزيران 1967.
إن العصابة السياسية، و"القوة الخفية" من فوقها، التي اغتالت رابين جسديا في العام 1995، هي ذاتها التي اغتالت أولمرت سياسيا في خريف العام 2008، و"للمفارقة"، فقد وصل بنيامين نتنياهو إلى الحكم للمرّة الأولى بعد اغتيال رابين، وحَرَف المسار التفاوضي ووضع ركائز تدمير العملية التفاوضية، ثم سقط عن الحكم، ولكنه عاد للمرة الثانية بعد اغتيال أولمرت سياسيا، ليدمر ثانية المسار التفاوضي الذي بدأه أولمرت، وكما يبدو فإن الأخير تعمق "في المحظور"، حسبما تؤكده شخصيات فلسطينية رفيعة جدا.

 

(صحيفة "الغد" الأردنية")

قد يهمّكم أيضا..
featured

"عربي.. مسلم.. وصهيوني"

featured

حينما يغفو "شيخ المينا"

featured

واشنطن تدفع منطقتنا لكارثة

featured

جريمة استيطانية ضد الانسانية

featured

"أبدًا تسترد ما تهب الدنيا .. فيا ليت جودها كان بُخلا"

featured

ستون عاما على تناثر حجارتك يا إقرث

featured

لأن الأول من أيار حاجتنا

featured

الرأسمالية فصل مؤسف في تاريخ البشرية وليست الشيوعيةّ