نعم ستون عاما خلت منذ أن قام المجرمون بانتهاك حرمتك يا بلدنا، زارعين الدمار والخراب ومتلذذين في نشر الرعب والخوف في كل ممر وطريق وفي كل حي ومنحدر . ستون عاما وكأنها ستون شهرا لا بل ستون يوما . إذ يتوقف الزمن ونستدرك ما حصل ، فذاك يزيدنا سخطا وغضبا لا يعرفان حدودا .
إن الأيدي الآثمة التي نالت منك يا بلدنا عرفت كيف تطعن ، فلم يكن صدفة اختيارهم لليلة الميلاد من عام 1951 لارتكاب جريمتهم النكراء وقد امعنوا في الايذاء ووصلت ساديتهم إلى قمة المتعة . كيف لا وهم على علم بما تعنيه مناسبة الميلاد بالنسبة لنا والتي نستقبلها في كل عام بمشاعر مختلطة ، إذ يلتقي الأمل مع الألم والبهجة مع اللوعة .
عندما نجول اليوم في باحة الكنيسة وننظر حولنا لنرى ذاك الدمار، نتوجه لاخوتنا الزائرين والمتضامنين معنا ونقول لهم، إن ما تراه عيونكم ليس بفعل ظاهرة طبيعية أو هزة أرضية، كما أنه ليس قضاء أو قدرًا وإنما من صُنع " البشر " الذين يتشدقون اليوم بإنسانيتهم واستقامتهم وعدلهم .
إننا على دراية وعلم أن ما انتاب إقرث كان سواه بما يفوق المئات من أخواتها القرى الفلسطينية، الامر الذي يدل على مشروع تصفوي استهدف إخلاء واقتلاع الفلسطينيين من هذه الديار. وهنا لا بد من التأكيد اننا جزء لا يتجزأ من هذا الشعب العظيم الذي ضحى وما زال يضحي لاسترداد حقوقه المسلوبة .لا بل أجيز لنفسي القول ان قضية إقرث اضحت رمزا يُقتدى به لكل الشرفاء والاحرار الذين ما زالوا متمسكين وغير مساومين على حقهم المشروع .
قال حكيم : " قد تتمكن من إخراج واقتلاع الانسان من وطنه ، ولكن يستحيل أن تقتلع الوطنَ من الانسان " . وهكذا نحن، فقد تمكنتم بالمكيدة والاحتيال، لا بل بالمكر والخُبث من ترحيلنا لنصبح غرباء في وطننا ، إلا أنكم لا وألف لا لن تتمكنوا من كسر عزيمتنا وإصرارنا واننا على ثقة وعلى يقين اننا لا بد عائدون إلى بلدنا مهما طال الزمن .
وأنا بدوري أُقر وأعترف أنني لا أملك قريحة شعرية ولكن ومن حيث لا أدري ، فقد انسابت من بين شفتي بعض الجُمَل في الذكرى الحزينة لهدم بلدي إذ قلت :
سلبوا الأرضَ فبقيَ عَبقُها
سلبوا الأزهارَ فبقيَ رحيقُها
سلبوا الطرقاتِ فبقيَ غُبارها
سلبوا عين الماء فبقيَ بُخارها
سلبوا المدرسةَ فبقيَ عِلمها
سلبوا البيادرَ فبقيَ نسيمُها
سلبوا البيوتَ فبقيت حجارتها
سلبوا واقعَها فبقي حُلمُها
