نشر موقع الجبهة الإلكتروني خبرًا بعنوان: (ملف "أمني" جديد (ومشبوه)! بحق شبان عرب من الناصرة ومنطقتها). هكذا جاء عنوان النبأ الذي نشر يوم 29.6.2010 وما زال موجوداً على صفحة الموقع الأولى.
غُطي النبأ بأكثر من سبعمائة كلمة، وهذا في علم الصحافة كمّ هائل، لاسيما وأنه يتحدث عن قضية لم تتوفر جميع تفاصيلها وحيثياتها بعد، باستثناء ما ورد من تهم في لائحة اتهام قدمت إلى المحكمة المركزية في الناصرة، وبواقع ما صرح به أحد محامي الدفاع مؤكداً أنهم لم يطّلعوا بعد الأدلة في ملف التحقيق.
لن أكتب عن القضية، لأنني كألوف قرأَت وسمعَت عنها، لا نعرف إلا حقيقة واحدة ناجزه وهي ما حوته لائحة الاتهام من بنود لا يمكن إلا أن نعرّفها بالخطيرة، لكنني أقتبس ما قاله أحد محامي الدفاع حينما أكد "أنه ليس من الحكمة ربط العربة أمام الخيول وبإمكان النيابة أن تنسب في هذه المرحلة كل ما تريده للمتهمين".
في الفقرة الثانية من النبأ نقرأ عن بنود الاتهام الموجهة للمتهمين وكذلك عن إنكارهم لجميع ما ورد وادعاءهم أن اعترافاتهم تم ابتزازها من خلال ضغوطات مارسها المحققون عليهم. ثم يحدثنا النبأ في فقرة مستقلة عن انفلات جوقة التحريض العنصري "في واحة الفاشية المعادية لقيم الديمقراطية". كما عبر عنها عضو الكنيست اليميني دافيد روتم وغيره.
أما خلاصة النبأ كانت من خلال ما احتفى به عنوان الفقرة الأخيرة مؤكداً على "رفض مؤامرة التأجيج الطائفي"، إذ أفادنا المحرر "أن أهل الناصرة تلقوا الخبر عن هذا الملف بريبة وشك نظراً للغموض الهائل الذي يحيط به ولأن أجهزة الدولة تحاول اللعب على وتر طائفي بغيض بل تأجيج نار طائفية يعرف النصراويون كيف يتحاشونها ويطفئونها".
إنني أعتقد أن موقع الجبهة قد أخطأ بطريقة نقله وتغطيته لهذه القضية، حتى لو افترضنا أن النوايا كانت إيجابية وأن المواضيع التي توخاها معد ومحرر الخبر هدفت إلى التحذير من مغبة توظيف اليمين لقضية تبقى فردية، من أجل التحريض على الجماهير العربية برمتها، وإلى التحذير أيضاً مما رشح من لائحة الاتهام من تهم تدعي النيابة أنها خُططت على خلفيات انتماءات المتهمين الطائفية، أقول حتى إن كانت هذه هي النوايا والأهداف فلقد أخطأها الموقع وأضر بها.
المسألة أن معد الخبر لم يختط أسلوباً إخبارياً تقريرياً يجمل تفاصيل لائحة الاتهام وموقف محامي الدفاع والمتهمين منها، فإلصاقه وصف "المشبوه" بالملف وبالعنوان الرئيسي وإنهاء النبأ بعنوان "رفض مؤامرة التأجيج الطائفي" أدى إلى خلط القضايا و"مغمغة" الأبعاد المختلفة اللاصقة بهذا الملف.
فلو كنت محرراً لأوردتُ نبأ إنزال لائحة الاتهام ومواقف محامي الدفاع التي جاءت متأنية حذرة وصحيحة، بما في ذلك نقلهم لمواقف موكليهم النافية للتهم وادعائهم بالخضوع لتعذيب خطير. هذه حقائق غير مشبوهة، إنما توظيفها من قبل المؤسسة الإسرائيلية وجوقات التحريض تبقى مشبوهة وأكثر.
لو كنت محرراً لاستنطقت محامي الدفاع حول أساليب التعذيب التي استعملها المحققون لتضاف إلى ذلك السجل الأسود الذي وثق ورصد تاريخاً طويلاً من هذه الممارسات في حق الأسرى الفلسطينيين والعرب. هذه ضرورة مهنية ووثيقة وجودها هام وحيوي.
لو كنت محرراً لحاولت أن أطلّع على حيثيات أكثر تفصيلاً ودقة مما ورد في لوائح الاتهام المقدمة للمحكمة، أسخّرها كمحرر ساعة أكتب في ما يتعدى الواقع والحقائق المنشورة.
لكنني أعرف أننا في مرحلة مبكرة ولمحامي الدفاع كل الحق بالحصول على مواد التحقيق ودراستها واتخاذ مواقفهم القانونية إزاءها وإزاء خيارهم في إدارة دفاعهم عن المتهمين في المحكمة، ويبقى هذا شأناً قانونياً صرفاً.
لكنني كمحرر أعرف أن هنالك حقيقة مادية واحدة جلية متمثلة بلوائح اتهام قدمت إلى محكمة إسرائيلية في الناصرة. لوائح الاتهام هذه تفصّل لعديد من التهم والوقائع، وبالطبع تبقى هذه لوائح اتهام فقط، مع هذا فأنا أعتقد أنها وكما هي بحاجة إلى موقف ورأي، لا بالمعنى القانوني المهني، أي إما الاعتراف بها وإما إنكارها، فهذا شأن لمحامي الدفاع والمتهمين، إنما المطلوب موقف إزاء ما حوته من وقائع وأفعال نسبت إلى متهمين عرب.
حريّ بي كمحرر في موقع ينطق باسم الجبهة أن أشهر موقفي الواضح والقاطع مما أورد في لوائح الاتهام من وقائع وأفعال نسبتها النيابة للمتهمين وقاموا هم بإنكارها. موقفي هذا هو ضد الأفعال المنسوبة بشكل مجرد وبمنأى عن موقف المتهمين، علماً أنهم ينكرون التهم.
كمحرر في موقع الجبهة كان علي أن استنطق قيادات الجماهير العربية كلها وعلى رأسها قادة الجبهة ولا يكفي أن افترض أنهم أو بعضهم، بداهةً، يعارضون ما نسب من أفعال.
علي أن افعل ذلك تمشياً مع ما أومن به سياسياً وأخلاقياً، وليس فقط لأن "روتم" وجوقته سيوظفون هذه المسألة في برنامجهم الشيطاني ضدنا كجماهير عربية في البلاد، فأولئك لديهم ما يكفي من دوافع لإطلاق حناجرهم العنصرية ومعاولهم في أرض يسممون تربتها ويحرقون ما بقي فيها من زرع وأمل. أنهم يبرعون في تسخير ما "يطرحه الموسم" و "تصطاده الشباك"، لكنهم يبرعون أكثر إذا غاب الناطور وانطفأ قنديل الفنار.
المشكلة بنظري ليست محصورة بما يعده "روتم" وبطانته إنما المشكلة هي أيضاً بهذه البلبلة وهذا الضياع. المشكلة في هذا الصمت المريب وفي تردد هذا الخائف الحائر.
أكتب عن خبر في موقع الجبهة وأعلم أن الإعلام المحلي كله تعامل مع هذه القضية بشكل لم يدرأ إسقاطاتها السلبية على مجموع الجماهير العربية، وذلك حينا أغفل واستنكف عن إبراز موقف سياسي أخلاقي واضح لما احتوته لوائح الاتهام من أفعال منسوبة. أكتب عن الجبهة وقادتها ولا أعفي باقي القيادات العربية، لأنني أعتقد أن الجبهة وإعلامها ولعقود طويلة خلت، كانت هي "شيخ المينا" و "ناطور الضيعة".
أكتب لأنني أريد أن تبقى مواسمنا مواسم عز وشباكنا ملأى بصيد صالح، وضمان هذا لن يكون إلا إذا لم يغفُ "شيخ المينا" ولم يتلكأ "الناطور".
