يبدو لكل من يملك بصرا وبصيرة، (وجرأة النظر للواقع بغير منظار الدولار!)، ان مصالح واضعي السياسة الأمريكية تقضي الآن بالحفاظ على تشكيلات التكفير والارهاب كقوة مرتزقة احتياطية. وفي حين تدّعي الدبلوماسية الأمريكية على المنصات والشاشات محاربة الارهاب يوفر الجهاز العسكري والمخابراتي الامريكي على الأرض شبكة أمان لتنظيمات التكفير، التي تفعل فعل الخلايا السرطانية التي تدمر جسد دول وأوطان العرب.
هذا ما يقف خلف ارتفاع منسوب التوتر الروسي-الامريكي الأخير في الشأن السوري. فواشنطن تعهدت على الورق بمحاربة "جبهة التكفير والارهاب"، لكنها ترفض بوضاعة كشف وثائق الاتفاق مع موسكو، وترفض تطبيقه على الأرض؛ ليس تطبيقه بالعمليات الجوية الاستعراضية المتفرقة للتسويق الاعلامي، وإنما باطلاق موقف (بل أمْر!) حازم لحلفائها الموصوفين بـ"الاعتدال" للانفصال عن "جبهة التكفير" التي باتوا ينخرطون معها كالحبل المجدول ليشكلوا معًا فتيل قنبلة مشتعل تهدد سوريا وغير سوريا.
ما يجري الآن قد يفتح الأبواب على كوارث "بوزن دولي". فمسؤولو الولايات المتحدة يطلقون تهديدات بالعودة من الباب غير الدبلوماسي لسوريا وبتزويد المسلحين بمعدات أرض-جو نوعيّة. ولو فعلوا، ستصل الصواريخ الى ايدي داعش، وسيُسقط ويدمَر بها طائرات غربية. لا يشك عاقل بهذا.. لكن هل يهتم فعلا بمثل هذا "التفصيل" مَن أنشأ ونظّم وسلّح آباء التكفيريين في افغانستان، ووفر لهم الدفيئة الأفضل عبْر تدمير دولة العراق، ويحميهم الآن في أكثر من موقع؟!
الموقف الروسي واضح: مع مواصلة الجهود لفرض الهدنة في سوريا وشق طريق الحل السياسي من خلال نبذ ومحاربة تنظيمات التكفير والارهاب (تنظيمات تهدد كل ما يتصوّره وينشده ليبراليات وليبراليون عرب يحترفون معاداة روسيا بصبيانيّة مقيتة حتى لو جاوروا "القاعدة"!).
مندوب روسيا في الأمم المتحدة قال "إن لدينا انطباعا يتزايد بأن هوس واشنطن لتغيير النظام في دمشق يجعلها أن تكون مستعدة لعقد صفقة مع الشيطان — والذهاب للتحالف مع الإرهابيين الحالمين بقلب التاريخ إلى الوراء وبالقوة لزرع أعرافهم اللاإنسانية". هذا التوصيف دقيق. هناك مواجهة كبرى تحدث، ولا يمكن لأصحاب الضمائر والالتزام الاخلاقي والوطني والقومي والعروبي الحقيقيين، ان يصفّوا كالماشية في حظيرة واشنطن.
