الجماهير العربيَّة: بين إحتلالين والهدف واحد

single

*بعد نجاح الجماهير العربيَّة في معارِك البقاء، عليها أن تنجح الآن في المعارِك على وجه هذا البقاء*


 
تُعاني الجماهير العربيَّة من احتلالين زعزعا متانة أواصر نسيجنا الاجتماعيّ وارتباطنا المُطلق بهذه الأرض. فبعد نكبة الـ 1948 (الاحتلال الرَّسمي لأرض فلسطين) ومصادرة الأراضي واتِّباع سياسة "فرِّق تسُد"، واجهَ شعبنا تداعيات النكبة ببسالة وجسارة، حيث كانت بوصلته الحزب الشّيوعيّ وفيما بعد أيضًا الجبهة، رغم أنَّ السِّياسة الّتي أُتُّبِعَت بتقسيم أبناء الشَّعب الواحد إلى مِلَل وطوائف قد نجحت في بعض الأحيان. كما أنَّا نشهد في العقود الأخيرة احتلالًا فكريًّا ينهش ثباتنا الوطنيّ وانتماءنا القَوميّ ويجُرّنا، عُنوةً، إلى مواجهة داخليَّة قد تُفتِّتُ مجتمعنا وانتماءنا الوطنيّ الجامِع.
ولا غضاضة في القول بأنَّ شعبنا يواجه احتلالين: الأوَّل مُترجم باحتلال الأرض وسلب الحقوق وبتدجين العمل السِّياسيّ للجماهير العربيَّة؛ أمَّا الثَّاني والّذي نلمسه في العقد الأخير بشكلٍ ملحوظ، يتمثَّل بالاحتلال التَكّفيريّ القَمعيّ. ومن نافل القول انَّ لا حيِّز لليأسِ والمُهادنة والاستسلام، فالمسألة وجوديَّة، ولا يجوز اتِّخاذ موقف الحياد فيها وإلَّا سنهلك جميعًا دون استثناء.
بعد نجاح الجماهير العربيَّة في معارِك البقاء، عليها أن تنجح الآن في المعارِك على وجه هذا البقاء. كما أنَّه لا يُمكن التغاضي عن تصعيد الخطاب السُّلطَويّ تجاه الجماهير العربيَّة؛ فبدأنا نلمس بأنَّ السُّلطة لم تَكتَفِ بسياسة "فرِّق تسُد" وإنَّما أضافت محوَرين مَركَزِيَّين إلى هذا التَّوجه، وهما: "حرِّض تسُد" و – "كَذِّب تسُد"، وهذا واضح في خطابات وممارسات رئيس الحكومة.
وفي موازاة ذلك، نلمس أيضًا تصعيدًا بخطاب التكفيريّين، باسم الاسلام هذه المرة. فيُكفِّرون النَّاس صباحًا ومساءً ويعتمدون القوَّة حتى تنفيذ مآربهم، والّتي عادةً تَخدِم سياسة "فرِّق تسُد" السُّلطَويَّة، الهادفة إلى تفتيت شعبنا إلى طوائف ومِلَل. ورغم ذلك، ما زال الخطاب العلمانيّ في سُبات عميق، يمتنع عن المواجهة أحيانًا كثيرة، ويترك "السَّاحة رباحة" للخطاب الفِئويّ والتَفتيتيّ. ونتيجةً لذلك، بعض الجهات السُّلطويَّة والسِّياسيَّة والإعلاميَّة تُصوِّر مجتمعنا كحاضنة للتطرُّف والتعصُّب الدينيّ والمذهبيّ.
لقد باتَ جليًّا بأنَّ الهدف الأسمى لكِلا الاحتلالين هو تفتيت أواصر مجتمعنا وانتهاك وحدة شعبنا الّتي نرفض أن يُقامَر أو يُغامَر بها. وفي هذا السِّياق لا بُدَّ من التّأكيد أنَّ الرِّهان على زعزعة وحدة الجماهير العربيَّة هو رهانٌ خاسر، رغم الحال غير المُشرق، خاصةً في ظلِّ استفحال التّحريض تجاه العرب وفي أعقاب عُلُو أصوات تُنادي بالتَّطرُّف وتعمل به أيضًا.
إنَّ صدَّ الاحتلالين يكمُن في تعزيز دَور لجنة المُتابعة الجامع وبانتخاب قيادات ورؤساء مجالس محليَّة ذوي مرجعيَّة وطنيَّة وباع نضاليّ وبتمتين وتثبيت القائمة المشتركة. وعلى الأحزاب العلمانيَّة، وعلى رأسها الحزب الشّيوعيّ، المُبادرة لإقامة أوسع تحالُف وطنيّ علمانيّ لمَنع "تديين" السِّياسة بالمجتمع العربيّ ولمواجهة التَّحريض المُمنهج ضدّ الجماهير العربيَّة. فلا يُمكن دحر الاحتلالين بالعرب "الجيّدين" وبالخطاب التَّكفيريّ وبغياب دَور الأحزاب العلمانيَّة وقيادتها.  



(عضو جبهة النَّاصرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

وداعًا يا رفيقتي ميسَّر عاقلة طنوس أم باسل

featured

الايطاليون وجدل الاسلام والسياسة

featured

حزب العمل ورقة التوت لحكومة نتنياهو وليس مؤثرًا ايجابيًا عليها

featured

الولايات المتحدة والتركيز على الداخل

featured

ماذا في جعبة نتنياهو الى" الإيباك "؟!

featured

تعديل عنصري لا مفر من افشاله ودفنه !

featured

لمواجهة الآفات الاجتماعية