يستمر ويتدفق الدم العربي في الشوارع والحارات والميادين ويتخطاها إلى المدن والقرى والأرياف في الأماكن القريبة والبعيدة عن ساحات القتال والمواجهات في جميع أنحاء الوطن العربي، فيبدو ان كلمة الوطن العربي أصبحت مقبرة للقتل المستباح لأبناء الوطن أنفسهم. لكن في العراق يجري القتل بوتيرة أشد وأكثر عنفًا وحرقًا من نار جهنم وبئس المصير، وأكثر قتلا وتدميرا للناس الأبرياء. لقد احتل العراق مكان الصدارة عالميا في عدد الهجمات وتفجير السيارات المفخخة وأكثر مما كان في زمن التواجد الأمريكي على الأراضي العراقية، فيما يحصد شيطان الحرب والإرهاب السياسي والطائفي والمذهبي العشرات والمئات يوميا من المواطنين الأبرياء من الأطفال والنساء وعامة المجتمع، وكل ذلك يجري تحت سمع وبصر العالم والمجتمع الدولي.
وأمريكا والعالم الحر الغربي اللذان أشعلا فتيل الاحتراق الذاتي للشعب العراقي بعد الانسحاب لا يبالون لا بدم العربي ولا بحقوق الامة العربية وقضاياها اليومية والحياتية، المهم لدى الحكّام الأمريكيين والإسرائيليين والأوروبيين ومن هم على شاكلتهم من الذين يرقصون على تدفق دماء العراقيين والسوريين والليبيين والمصريين واليمنيين، من أنظمة الخيانة والتبعية من الأمراء والملوك العرب في دول الذهب الأسود، ويشاركهم في فرحتهم بالرقص على دماء وجماجم الشعوب العربية والعثمانيون الجدد في تركيا، الذين يزحفون على بطونهم لكسب رضا الأوروبيين والأمريكيين رغبة منهم في إقامة الإمبراطورية العثمانية الجديدة وبسط النفوذ على بلاد الرافدين والشام. هذه الإمبراطورية تكون رأس الحَربة في خدمة الامبريالية العالمية والأمريكية على وجه الخصوص، بهدف المحاصرة والحد من النفوذ الروسي والإيراني والعمل على خلخلة هذه الدول من الداخل، مثلما يجري اليوم في الكثير من دول العالم العربي والشرق الأوسط، فإلى هذا الحد أصبح الدم العربي مباحًا ومستباحًا في الشوارع والأماكن العامة ودور العبادة في بغداد ودمشق والقاهرة وبيروت وصنعاء. أين دعاة حقوق الإنسان والمنظمات الدولية والإنسانية، لماذا الرأي العام العالمي لا يبالي بحقوق المواطن العربي عامة لماذا السكوت على الجرائم الإنسانية التي ترتكب يوميًا في العديد من دول الوطن العربي.
لا بد من الضغط على الحكومات وأصحاب الشأن والقرار وصناع السياسة وكذلك الذين يضغطون على الزناد ومرسليهم لتتوفر في قلوبهم وعقولهم ولو ذرة من الاخوّة الإنسانية والكرامة الوطنية بان حياة الإنسان التي وهبها الخالق لخلقه هي أعلى سمات الوجود البشري على كوكب الأرض. فكيف وبأي حق يجري سحق وإفناء وقتل وتشويه المئات يوميًا في مناطق متفرقة من بلاد الرافدين وسوريا وفلسطين وشمال إفريقيا واليمن والسودان وغيرها.
لماذا لا نسمع صوت رجال الحكمة والتأثير، وما أكثر الفضائيات العربية المنتشرة على مدى الأربع والعشرين ساعة يوميًا وتغطي مناطق العالم العربي كافة أين أصحاب الفتاوى من رجال الدين أصحاب الرحمة والتعقل، أين الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وأين دول مجلس التعاون الخليجي ولجنة القدس. أين البرلمانات والبرلمانيون العرب ومجالس الشعب والنواب والشورى. أين الحكومات والوزراء والرؤساء، أين وأين...
لماذا هذا الصمت، هل أصبحنا أمة صامتة هامدة عاجزة متأخرة لا حول لها ولا قوة، بعد ما كنا أمة تنبض بالحركة والحياة والعلم والثقافة والمقاومة، ألم تقاوم شعوبنا العربية المحتلين الأجانب من الفرنسيين والانجليز والايطاليين وتحرر أوطاننا من براثن الاستعمار الأجنبي والصهيونية، إشهد أيها التاريخ وسجل ان صلاح الدين وعبد الناصر وياسر عرفات قد قهروا الغزاة، وان الشيخ حسن نصرالله قاهر لا يقهر ولم يستطع الحكّام الإسرائيليون في حروبهم قهره في يوم من الأيام.
ما الذي أصاب هذه الأمة، فيما لا تعمل ولا تتكلم صامتة كأهل الكهف، هل استطاع الحكّام الأمريكيون والأوروبيون والإسرائيليون أعداء الأمة والشعوب العربية ان يبتكروا شيئًا ما مضادًا للتفكير السليم لدى هذه الأمة، وهل استطاع الغرب ان يسحر الحكام العرب من المحيط إلى الخليج، وان تقوم إدارة اوباما وكيري وقبلها كلينتون وبوش الأب والابن في إعادة سيناريو التنويم المغناطيسي ما بعد فترة حرب الخليج واحتلال بلاد الرافدين والرقص على روافد دجلة والفرات إلى سيناريو قتل ياسر عرفات وإعدام صدام حسين ومعمر القذافي وتقسيم السودان وقصف طرابلس وبنغازي بالاباتشي والتوماهوك ومحاولة إعادة نفس السيناريو في التدخل والاعتداء السافر والمفضوح على سوريا والنيل من وحدة وكرامة الشعب السوري المقاوم لهجمة الجزمة الأمريكية الصهيونية في المنطقة.
ان رزانة وحنكة الموقف الروسي، والتي تمثلت ما بين عرض القوة والحل السياسي اجبر المعتدين ومنهم العرب الأمريكان على التراجع عن موقف العدوان المبيّت لسوريا بل السير تجاه الحل السلمي ومؤتمر جنيف الـ2.
بينما لم يفعل العرب حكامًا وبرلمانات ومجالس شعب وحكومات سوى الاستمرار باجترار الكلام الفاسد والمستهلَك لتبرير تقديم الخدمة للسيد الأمريكي وتقديم المصالح والكرامة العربية التي أصبحت مفقودة منذ زمن الحكام الخالدين في أذهان الأمم والشعوب العربية. كرامة حكام اليوم يجري إنتاجها مجددًا لتفريغ الغضب العارم لدى الشعوب العربية، بهدف تثبيت الولاء والطاعة والتفريط بالأرض والوطن العربي وخيرات الشعوب العربية ككل.
إن من يرى المشاهد المروعة يصعب على العقل البشري ان يستوعب ما يجري، جثث ملقاة على جوانب الطرقات، أطراف بترت من أجساد، رؤوس قطعت وشوهت تمامًا، بنايات وأماكن عبادة ومؤسسات هدمت على من فيها وسويت بالأرض، الصراخ يقطع القلوب من هول الجريمة، ينتابك شعور غريب تعجز عن مجرد التفكير ليصل بك تفكيرك في نهاية المطاف إلى الخوف من الآتي والمجهول الذي يترصد لك وللشعب العراقي بكل أطيافه وألوانه وكذلك للشعب السوري ومجمل الشعوب الناطقة باللغة الغربية.
أية وحشية سيطرت على ذلك الإنسان الذي يسعى يوميًا للانتقام والقتل والهدم والتفجير المتعمد بلا رحمة وشفقة لصراخ الأطفال واليتامى وعويل النساء والكهول كل في سبيله للبحث عن أشلاء وبقايا بين أكوام الردم، عله يجد أو يصغي لأنين ضحية أو لصراخ جريح أو للعثور على أحياء بين مئات الضحايا المتناثرة هنا وهناك.
إن واجب المجتمع الدولي ان يتحمل مسؤولياته بالتحرك بأقصى سرعة ممكنة، وعلى القيادات سواء العراقية والسورية والمصرية وغيرها من أحزاب ومنظمات ورجال دين وساسة وأئمة مساجد ورؤساء كنائس وعشائر وقبائل وحمائل والقيادات الشيعية والسنية ورموز المذاهب الدينية كافة ان يتحملوا هم أيضا مسؤولياتهم تجاه مواطنيهم وتجاه الإنسان وكرامته أولا، ثم تجاه الوطن ووحدة أراضيه بالعمل على تعزيز اللحمة الداخلية وبناء الإنسان العراقي والسوري والمصري والفلسطيني والعربي من المحيط إلى الخليج الذي يجمع تحت أجنحته مكونات الأمة والشعوب العربية كافة.
إن العراق أو أي قطر عربي لا يساوي شيئًا بدون وحدة أبنائه وبناته، فالشعب بأطيافه كافة هو الدينامو لتطور البلاد من الاتجاهات كافة، وواجب المواطن ان يعمل على صيانة السلم الأهلي من خلال تعزيز الوحدة والثقة والتعايش وترسيخ مبدأ الاحترام المتبادل وإلغاء كل مظاهر العربدة السياسية والدينية والمذهبية وكل أشكال التطرف والعنف الديني والسياسي.
إن تاريخ الشعب العراقي وغيره عبر مئات السنين كان محط أنظار الشعوب الأخرى فقد شكّل العراق بنموه وازدهاره العلمي والحضاري والثقافي والمعماري وتطور مختلف العلوم فيه رافدًا أساسيًا في الحضارة العربية والإسلامية والإنسانية.
سينهض الشعب العراقي والشعوب الأخرى من بين الأنقاض كالمارد الذي تمرد على الغدر والخيانة، وسيلملم جراحه مع اشقائه الشعب السوري والفلسطيني والمصري، فالشعوب العربية هي اكبر من الموت والاندثار وسينفضون غبار الماضي بكل مآسيه وفصولها، فمن المآسي والويلات والقتل والهدم وزهق الأرواح، سيخرجون من رحم الموت والدم إلى استعادة روح الحركة والحياة والمستقبل، سينبت التراب العراقي والعربي عامة وعلى ضفاف دجلة والفرات والنيل العشب الأخضر والورد وسيعود المواطن العربي نفسه بنفسه ليكون سيد حاله ونفسه ليبدأ مشواره مع الحياة، فالحياة تزحف بخطى ثابتة إلى الأمام.. فالمستقبل وحركة التطور والبناء دائما تغدو إلى الأمام وستسير الشعوب العربية مع الشعب الفلسطيني إلى الأمام، لان عقارب الساعة لا يمكن الا ان تسير إلى الأمام رغم أنف المستعمرين والمحتلين من الصهاينة والأمريكيين والأوروبيين.
(كويكات/أبوسنان)
