"الاتحاد" وقيمتها الإعلامية والسياسية

single

 صحيفة "الاتحاد" العملاقة بما قدمته لجماهيرنا الفلسطينية في الداخل والتي تشبثت بوطنها خلال النكبة، نكبة سنة 1948 وما بعدها، تحتفل بعد نحو شهرين بمرور 69 سنة من الكفاح المتواصل والمرير.. وبهذه الذكرى المجيدة لصدور العدد الأول في تاريخ 14/5/1944 من شهر أيار – شهر عيد العمال العالمي حيث يؤشر هذا التاريخ الى انحيازها نحو الطبقات المضطهدة والمستغلة من العمال على كافة انتماءاتهم الطائفية والقومية. في هذه الذكرى وخلال امساكي لقلمي والكتابة عنها على أوراقي هذه تستحضرني تلك الأيام الغابرة والعاصفة من سنوات الستينيات.. عندما كنت شابًّا في مقتبل العمر وكنت في حينها ما أزال أتعلم في الصفوف الابتدائية عندما تعرفت على هذه الصحيفة وذلك بينما كنت أشاهد بعضًا من رفاق الحزب الشيوعي يتأبطون رزمة من صحيفة الاتحاد ويقومون مثل  خلية النحل بعرضها على المارة محاولين إقناعهم باقتنائها في أجواء إرهابية قد خلفتها بل بالأحرى خلقتها أجهزة الحكم العسكري الصهيوني واذرع أمنها وذلك بعد احتلال ما نسبته 78% من الأرض الفلسطينية.
ففي تلك الأيام العصيبة والأجواء الإرهابية كان كل من يتجرأ بشراء أو امتلاك صحيفة كالاتحاد يُعرّض نفسه للمساءلة والملاحقة والتضييق من قبل أجهزة الأمن البغيضة والجهاز العسكري من خلال قوانين الطوارئ سيئة الصيت والتي ورثتها إسرائيل من قبل المحتل البريطاني الذي سبقهم الى أرض فلسطين وكانوا بواسطة هذه القوانين ينهبون الأرض ويهتكون العرض ويلاحقون القوى الوطنية.. في هذه الأجواء كانت تصدر جريدة الاتحاد وكانت توزّع على طول وعرض الوطن مما عرّض الكثير من محرريها وموزعيها ومشتريها إلى الملاحقة المستمرة.. ليس هذا وحسب.. بل وصل الأمر بهذه السلطات العسكرية والأمنية بان تلاحق من ذكرتهم أعلاه بقطع رزقهم والتطاول على لقمة خبزهم وخبز أطفالهم مما كان يفقدهم سبل العيش، فرغم كل الإرهاب الجسدي والمعيشي والفكري الا ان الاتحاد كانت الصوت الوطني ووسيلة الإعلام الوحيدة في الداخل والتي تصدت بكل شجاعة برفاقها ومحرريها لكل وسائل القمع الأمنية والعسكرية رغم دخول أغلبية رفاقها إلى السجون.. هذا غير الاقامات الجبرية، حتى وصلت بهذه الأجهزة الى ان استعانت بعملائها من اجل الاعتداء على بعض قيادات الحزب الشيوعي وأبرزهم الرفيق المخضرم غازي شبيطة المسكاوي ابو وهيب من مدينة الطيرة في المثلث الجنوبي.
لقد كانت وما زالت صحيفة "الاتحاد" الصوت الوطني وان اختلفنا معها في بعض الأمور. الا انها وبأقلام مبدعيها قاومت الحكم العسكري بكل عناد وقوة وليس هذا وحسب وإنما كانت هي وزميلاتها من مجلة الغد والجديد مدارس نضالية للتوعية السياسية والاجتماعية وكانت وما زالت صوت الطبقة العاملة المسحوقة بدون أية تفرقة طائفية أو قومية.
أتذكر تلك الأيام من أيام وسنوات الحكم العسكري بأنه عندما كان يحمل أي فرد جريدة "الاتحاد" فكان في نظر أجهزة الأمن كأنه يحمل لغمًا ينوي تفجيره في وجه سياساتهم العنصرية والاقتلاعية والتي طالت بشراستها ووحشيتها الكثير من أبناء شعبنا الفلسطيني وقواه الوطنية حتى هذه اللحظة. فمن خلال صحيفة الاتحاد وزميلاتها تعرفت على الكثير من ثقافات الشعوب ومبدعيها امثال بابلو نيرودا وتولستوي وبوشكين ومكسيم غوركي وروزا لوكسمبورغ والكثير الكثير من هذه الكوكبة من المناضلين والمفكرين والأدباء والشعراء. لقد حدث بعد النكبة فراغ إعلامي وفكري وسياسي كبير الا ان رفاق الحزب ووسائل إعلامهم ملأوا هذا الفراغ وبذل الرفاق جهودهم الكبيرة المعمَّدة بالتضحيات الجسام التي وصلت لدرجة حرمانهم من لقمة الخبز وأيضا من التنقل بحرية في رحاب وطنهم.
لقد شكلت الاتحاد البوصلة الحقيقية لقيادة جماهيرنا إلى شط الأمان ومنعت الضياع والتيه في صحراء التهميش السلطوي وحتى تهميش ذوي القربى من الدول العربية المجاورة وغير المجاورة. لقد حافظت الاتحاد وغيرها من مجلات الحزب على تراثنا ولغتنا وأبقت وزرعت النفس الثوري عند جماهيرنا حيث تجسّد ذلك في يوم الأرض الخالد سنة 1976 بالتعاون مع القوى والفعاليات الوطنية الأخرى والتي تواجدت بعد فترة وجيزة من بعد النكبة. لقد كتب في صحيفة الاتحاد خيرة الكتاب والمفكرين والشعراء أمثال إميل حبيبي، سميح القاسم، محمود درويش، سلمان ناطور، إميل توما، توفيق طوبي، توفيق زياد، محمد نفاع، غازي شبيطة وآخرين.. ان مثل هؤلاء العمالقة وغيرهم قد أسسوا جيلا واعيا لا يهاب الإرهاب ولا القمع ولا الملاحقة.. فأنا شخصيًا تتلمذت على هذا التراث الأدبي والسياسي مع بعض الملاحظات من طرفي لبعض الأمور ولكن أقولها بكل صراحة وبعد مرور 62 سنة من عمري ان للثقافة والمواضيع القيمة بكل ألوانها كان لها الفضل في صقل شخصيتي النضالية والسياسية لأن الاتحاد ومفكريها وأعضاء الحزب قاموا بدور كبير على الساحة الفلسطينية في الداخل مما حال دون الاستفراد بشعبنا من قبل الأجهزة السياسية والقمعية الأمنية الإسرائيلية. حقا وللتاريخ أقولها كنت وما زلت اقرأ صحيفة "الاتحاد" بكل نهم لأنها وبالاضافة الى فائدتها ودورها الفكري والتوعوي فإنها تشكل لي تاريخًا بأكمله. ولا أنكر أبدا وجود صحف أخرى لها الدور المحترم وان اختلفت الآراء فكلها تصب في نهر واحد ولو بدت التناقضات كبيرة في بعض الأحيان.
إنني استغل هذه المناسبة وأناشد جميع الصحف العربية الصادرة في هذا الجزء العزيز من الوطن ان يبتعدوا عن التجريح والتقريع لبعضهم. فلتكن جميع الصحف منارة لكل أبناء شعبنا.. فجميعنا نلاقي نفس المصير. ان التحلي بالحوار الحضاري هو أنجع أسلوب يقودنا نحو الحرية ونحو تحقيق أهدافنا، فبالاتحاد قوة.. وفي هذه المناسبة العزيزة أيضا أشد على أيادي كل من يكتب في صحيفة "الاتحاد".. فلنجعل أقلامنا جميعًا تخط بما يخدم قضيتنا ومسيرتنا نحو الحرية والسلام.
كل عام وجريدة "الاتحاد" وكتابها ومحرروها بألف خير.

 


(الأسير السياسي وأسير الحرية – سجن الجلبوع – قسم 5 )

قد يهمّكم أيضا..
featured

بالنضال نستقبل العام الجديد

featured

الخامس والعشرون من آذار قبل عام

featured

يا رَبَّ القوّات.. كنْ معنا

featured

السعودية صانعة الخـصومات

featured

مؤتمر العمل العربي والتحديات الكبيرة ..

featured

أمريكا بين ربيع العرب وخريفهم

featured

هذا الجيل الجديد