الطلاب هم نواة حديثة، منظمة وفعالة، قادرة على فرض التغيير في واقعنا الصعب والمركب، والقرار السياسي في النهاية هو الذي يحدد طبيعة التعليم الذي نتلقاه والطعام الذي نأكله والمسكن الذي نسكنه والجريدة التي نقرأها وكمية النقود التي نحملها في المحفظة. فنحن مادة القرار السياسي، نحن ضحاياه أو فرسانه، لذلك فإن مصلحتنا كطلاب تقتضي عدم اعتزال السياسة بل متابعتها والمشاركة فيها بشكل يتماشى مع المصلحة العليا لمجتمعنا، فالهروب من المشاكل لا يؤدي إلى حلها والابتعاد عن العمل السياسي يزيد من تفاقم الأزمات.
ثبت تاريخيا أن الطلاب لعبوا بالفعل دورا مهما في إحداث تغييرات سياسية في العديد من دول العالم. فلقد شكل الطلاب عنصرا أساسيا في ثورات 1848 في ألمانيا والنمسا، وأسقطت مظاهراتهم حكم بيرون في الأرجنتين عام 1955، كما أطاحت بجمينيز في فنزويلا عام 1958، ونسفوا حكومة راي في كوريا الجنوبية عام 1960، وقوضت مظاهراتهم حكومة إبراهيم عبود العسكرية في السودان عام 1964، وهددت أنظمة الحكم عام 1968 في أحداث مايو في كل من الولايات المتحدة، فرنسا،ألمانيا، ايطاليا، اسبانيا، البرازيل، الاورغواي، السنغال، المكسيك وتركيا. واستطاعت في سنة 1968 أن تفرض على نظام الحكم في مصر تغييرا سياسيا وإداريا ووزاريا، كل هذه الأمثلة وغيرها تؤكد أن الطلاب هم الكتلة الاجتماعية المرشحة لإحداث التغيير.
إن قطاع الطلاب يتزايد ويتضاعف، بالإضافة إلى حيوية الطلاب كشباب وتحررهم من أعباء المعيشة والوظيفة وسهولة تنظيمهم والاتصال فيما بينهم، فهم أكثر الفئات مقدرة على التحرر الاجتماعي من الخلفيات العائلية والطائفية والطبقية، حماسهم اكبر وعوائق التحرك أمامهم اقل..
إذًا الطلاب يملكون من الطاقة البشرية جسميا ونفسيا وزمنيا ما لا يملكه غيرهم، فهم ثروة ومحط آمال في كل مجتمع وهم المسؤولون عن المستقبل في منطق المادة وفي منطق الروح.
باتت قيمة الطلبة ودورهم السياسي في مجتمعنا العربي داخل إسرائيل اكبر، وذلك بفعل المتغيرات السياسية الخطيرة الني طرأت على الساحة السياسية، حيث تتعرض الجماهير العربية في البلاد إلى هجمة سلطوية شرسة تتمثل في عدة أشكال وقوانين كان آخرها قانون يهودية الدولة وقانون الولاء وإقامة لجان التحقيق (محاكم التفتيش) كل هذه الممارسات العنصرية وغيرها هي عوامل استنهاض تستدعي منّا كطلاب تحركا أوسع ومسؤولية اكبر.
منذ أكثر من ثلاثة أعوام توقف عمل لجان الطلاب العرب في الجامعات، مما أدى بالتالي إلى شل عمل الاتحاد القطري للطلاب العرب، هذا الأمر لا يمس بمصلحة الطالب العربي فحسب، بل يسيء إلى مجمل العمل الوطني لأن لجان الطلاب العرب شكّلت نموذجًا في الثقافة الديمقراطية، وكانت دائمًا رافعة لتسييس الطلاب العرب وقيادة نضالاتهم الوحدوية، كما أنها خرّجت القاعدة العريضة من القيادات السياسية لمختلف الحركات والأحزاب.
والأمر المقلق أكثر هو أن الموت السريري للاتحاد القطري وللجان الطلاب العرب يتزامن مع تصاعد الهجمة العنصرية ضد الحقوق الشرعية للطلاب العرب ومع المساعي لخصخصة جهاز التعليم مما يعمّق التمييز القومي.
هنا يأتي دورنا كطلاب واعين في إعادة إحياء الحركة الطلابية من خلال إقامة لجان تنسيق بين الكتل الطلابية الفاعلة في الجامعات بحيث تعمل هذه اللجان على إعادة بناء المبنى التنظيمي للجان الطلاب العرب والسير بخطى ثابتة نحو انتخابات شرعية ودستورية.
للمجتمع حق على أبنائه الطلبة، فالجامعات أيضًا ساحات نضال وليست "معتقلات أليفة "، الأرض البور قد تصلح إذا كانت هناك إرادة إنسانية، وإذا عانقت الإرادة الإنسانية عملا فكريا سياسيا منظما وحكيما، فتنقلب هذه الإرادة إلى نقلة نوعية وحضارية تصون وجودنا وتحمي مستقبلنا.
(*) سكرتير الجبهة الطلابية في جامعة بن غوريون- النقب
