حين يؤمُّ بعضنا معاصر الزيت في هذه الايام، ليفرح مع الزتّانة الذين مشقوا/ حلّبوا/ فرطوا/شقشقوا/مشّطوا /قطفوا ثمرهم المبارك، ولعب الطقس والاحوال الجويّة لصالحهم، فمنحاهم :وفرة، صحوة، مهلة لجمع المحصول بتاْنّ وهداْة بال، لا بدّ لنا ان نفرح مع اهلنا في سعادتهم التي لا تُقّدر، ان كان جارك بخير فاْنت بالف خير، وما في جود غير من الموجود، ولا ننسى طوابير احبّتنا الصغار مع معلّماتهم/معلّميهم ومرافقيهم الذين يتجولون بين اقسام المعصرة/المفرمة/ ببور الزيت، يتنشّقون عبير وشذا وبخار الزيتون المهروس طازجا، من الشجر للحجر. مع هذا المشهد الماْلوف سنويّا، نُفاجأ، بمناظر اخرى غير مألوفة في معاصرنا الجليليّة، القديمة والحديثة منها، افواج غريبة عن اجواء المعاصر الاوروبيّة الصنع، زوّار جدد، زبائن جدد، اغراب لا يمتّون لاجوائنا القرويّة باْيّة صلة لا من قريب ولا من بعيد، هذا خواجا مُتزمّت مُلْتَحٍ بهندامه العبري الغريب، الرقعة على الراْس، السالفان المتدلّيان الاجعدان، الملابس الدينيّة التقليديّة مع الاشرطة المتدلّية فوق البنطال، الزوجة المرافقة بلباس ديني مُحتشم، يصحبهما اطفالهما، اضافة الى بعض العمّال العرب المرافقين /عتّالة/ قطاريز /مرابعين/ يُحطّطون اكياس الزيتون المنهوب المسروق/ ما عند قريش خبر، يصفّطون الاكياس ازاء جرن المعصرة في انتظار دور سيّدهم، مجموعة اخرى من الخواجات والسيدات، يتفحّصون ويواكبون سير العمل عن كثب، في مشاهد لم ياْلفوها من قبل، منهم من هو بزيّه الاوروبي الافرنجي او الامريكي، ومنهم من هو بسحنته العربيّة الشرقيّة/ ولو استعمل كافة مساحيق التجميل والزينة فلن ينجع باستبدال سحنته التي اخذ يخجل بها امام عقدة الخواجا الافرنجي، زبائن جدد من مختلف المستوطنات والقرى التعاونيّة من الجليلين الاعلى والاسفل، والشرقي والغربي، اصبحوا بقدرة قادر زَتّانة، ملاّكة بعد ان سيطروا على الزيتون العربي وعبرنوه وهوّدوه علانية وفي وضح النهار، اكلوا البيضة والقشرة وشمّعوا راس الخيط، اخذوا يتباهون بمنتوجهم وخيراتهم !!يتظاهرون بالوداعة واللطافة، يُحيّون هذا وذاك من الزّتّانة الحقيقيين لغاية في نفس يعقوب وعلى عينك يا تاجر !
حُبّ الاستطلاع يُحفّزك لاْن تساْل، ما لهم ولهذا الفرع الزراعي العربي التقليدي، وكاْنّه جاءهم الترياق من بلاد العراق، لا يبخلون من الاجوبة:
-انا من اصل بولوني، وانا امريكي وانا استرالي وانا من جنوب افريقيا....... الشرقي يحاول اخفاء ملامحه، فيقول له البراّك/المعاصري :ولو على عينك يا تاجر ! اجاك يا بلّوط مين يعرفك ! فيرد ّهذا خجلا وبهمس خوفا من الفضيحة: دير الحمرا ع البورة وخلّي الدعوة مستورة !
اجناس بشريّة مختلفة من انحاء المعمورة، انقضّوا وضح النهار على زيتون العرب، عبرنوهُ كما عبرنوا اسماء القرى المهجّرة عنوة، اصحاب الزيتون الحقيقيون بعضهم في المخيّمات وبعضهم في قرانا المضيفة، ينظرون عن كثب، يردّدون مع فريد الاطرش: قُدّام عينيّ وبعيد عليّ مقسوم لغيري وهوّليّ....
يواكب الاغراب عملية الدرس والهرس عن كثب، احضر عنزتك بتجيب توم، يجلسون امام مصفاة الزيت، المزراب يشقع متواصلا زيتا صافيا رقراقا مخضرّا حارّا حارقا، يسلب النظر والبصر، معهم كافّة الاواني لتعبئة الزيت، يتجاهلون مثلنا العربي القائل : الزيت اذا احتاجوه اهلو بيحرم ع الجامع ! الُجُدُد وجدوا خبز مخبوز ومي في الكوز، الزتّانة الحقيقيون في قرانا لا يضاهونهم في وفرة /منتوجهم/ سلبهم/ نهيبهم/تشليحهم/، هذا مشق /سرق عشر تنكات، وذاك عشرين وآخر ثلاثين، لا يكتفون بمؤونتهم، صاروا يوكلوا و يحطّوا ع عينيهم يفرّقوا ويبيعوا:ان صحّلك زيت ظرف اغرف منو غرف !حتى انّهم يوظّفون امثالنا لماْربهم علانية.
تتجوّل في قرانا المهجّرة :ماروس عمّوقة قبّاعة فرعم مغر الخيط كفربرعم سعسع دلاّثة علما عين الزيتون الظاهرية الفوقا الظاهرية التحتا ميرون السموعي فرّاضي كفر عنان دير القاسي المنصورة سحماتا الكابري البصّة الزيب الغابسيّة عمقا كويكات النهر ام الفرج التليل البروة الرويس ميعار... والقائمة طويلة جدا جدا، فترى الزيتون عاريا مهشّما مطبّشا، لا شفقة ولا رحمة، ما تعبوا في كرابو وحراثو.
هنالك معاصري، جديد طخ، في احد المطلاّت المقامة على ارض العرب في الجليل، انشاْ معصرة له، يشتري الزيتون القحقيح/ الجوال/ البرارة / المضروب والنازل تحت الغربال يدرس الحثالة /الرمامة، ويسوّقه في زجاجات انيقة شفّافة مغرية برّاقة لمّاعة، يكتب عليها ما شاء من المحفّزات والمغريات: زيتون صوري اصلي، قطفة اولى، نخب اوّل، عصر بارد، معصرة حجر، من الشجر للحجر، دون ان ينسوا اللازمة الدينية: حلال زلال/ كشير لمهدرين/، وبمراقبة الكهنة الكبار وغير ذلك من الكليشيهات الكاذبة وتعابير الترغيب في بلاد العجائب والغرائب ! وذلك لضرب الفرع الاقتصادي هذا عندنا، مع سابق الاصرار.
هذه هي العدالة في بلاد السمن والعسل، ويحدّثونك بعد عن :القِيَم، المساواة، الاخاء، التعايش، الإنصاف والعدالة وغيرها، ثمّ يعبرنون ويهوّدون علانية الاسماء العربية، كما فعلوا مع :الحمّص، الفول، الفلافل، الزعتر، اللبنة و... ناهيك عمّن يعبرنون عربيّتنا من بيننا، وهم من لحمنا ودمنا.، والمخفي اعظم!
دعونا نسوق لهؤلاء المتطاولين على كل ما هو عربي ما جاء في آيات الله البيّنات، ومن باب التذكير فقط، لعلّ ذلك ينفع :
* فَذَكّرْ ان نفعت الذكرى. / الاعلى.
*قُلْ ياْيّها الذين هادوا ان زعمتم انّكم اولياء لله من دون الناس فتمنّوا الموت ان كنتم صادقين. /الجمعة.
*من الذين هادوا يُحرّفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا /النساء. صدق الله العظيم.
