أغنياتُ مصر المصريّةُ، تلك التي طالما ردّدناها بحسرات وتساؤلات وتشكيكات، غدونا نغنّيها الآن بانتشاء أشدّ وإيمان أرسخ.
كنّا نسمع كلمات محمّد حمزة التي لحّنها الراحل غير الغائب بليغ حمدي، والتي شَدَت شادية بها، فنطرب... ونحزن. نطرب لأنّ ألحان بليغ كثيرًا ما أطربتنا وكثيرًا ما استلطفناها، ولأنّ كلمات حمزة هنا مؤثّرة وتجتمع فيها شاعريّة وبساطة حقيقيّتان صادقتان. وكنّا نحزن لأنّا كنّا نحسّ أنّ الكلام يطابق الإحساس والأماني، لكنّه لا يطابق الحال. يقول محمّد حمزة (صاحب "زيّ الهوا" وَ "جانا الهوى" وَ "نبتدي منين الحكاية"):
"يا بْلادي يا أحـلى البلادْ
فَـداكـي أنـا والـوِلادْ
يا حبيبْتي يا مَصْر يا مَصْر
ما شافْش الأمَلْ في عْيون الوِلادْ وصبايا البلَدْ
ما شافْش العمَلْ سهران في البلادْ والعزم تْوَلَدْ
ولا شاف النيـلْ فْ أحضان الشجرْ
ولا سمع مواويلْ في ليـالي الـقمرْ
أصلو ما عدّاش على مَصْر
يا حبيبتي يا مَصْر يا مَصْر"
يقول حمزة هذا، فتكون مصر وطنًا جميلاً جميلاً، مضيئًا مضيئًا. يقوله فتكون وعدًا لا يخذل.
" نـيـلْـها هُـوَّ دمّـي "
وتأتيك عفاف راضي، بكلمات الراحل الجميل عبد الوهّاب محمّد، وبألحان جميلٍ راحلٍ آخر (كمال الطويل -ذاك الذي عُرف عنه أنّه من أكسل وأجمل الملحّنين، وتلحينه لأغنية العندليب الشهيرة "في يوم في شهر في سنة" خير شاهد على ذاك الكسل وذاك الجَمال)... تأتيك الرقيقة عفاف راضي فتشدو منذ سنين وسنين:
"مَصْر هِيَّ أمّي
نيلْها هُوَّ دمّي
شَمْسَها فْ سَمَاري
شَكلها فْ مَلامْحي
حتّى لوني قمْحي
لُونْ خيرِك يا مَصْر"
هكذا تكون الأغنية أمنية ومشاعر لا يغفل عنها إحساس الشاعرِ المُجيدِ. هي أغنية، وأمنية. هي إحساس وصدق، لا ادّعاء ولا رياء ولا تلفيق.
" تـاج الـعـلاء "
وقبل هذه وتلك بعقود، في العام 1921، كتب شاعر النيل العظيم:
وَقَفَ الخَلـقُ يَنظُـرونَ جَميعًـا كَيفَ أَبني قَواعِدَ المَجـدِ وَحـدي
وَبُـناةُ الأَهرامِ فـي سالِـفِ الـدهـرِ كَـفَوني الكَـلامَ عِنـدَ التـحَـدّي
أَنـا تـاجُ العلاء في مَـفـرِق الـشـرق وَدُرّاتُــهُ فَـرائِـدُ عِـقـدي...
...أَنا إِن قَـدَّرَ الإِلـهُ مَـماتـي لا تَرى الشرقَ يَرفَـعُ الرأسَ بَـعدي
وفي العام 1951، لحّنها رياض السنباطي وشَدَتْ بها "كوكب الشرق". الآن، بعد مرور تسعين عامًا من نظم القصيدة، ومرور سبعين على تحويل أبياتها إلى أغنية، الآن نعرف كم كان بعيدًا شاعرُ النيل عن المبالغة وعن التهويل، وكم هي مصر مصدر إشعاع وإلهام وشحْذ هِمَم.
لم تعد الأغاني تبجّحًا أو فخرًا أجوف، بل لم تكن كذلك. لم تعد الأغاني ضلالاً أو تضليلاً، كما خُيِّـل لبعضنا أو قد يُخيَّل، بل لم تكن. غَدَتْ حقيقةً. غدت نبوءةً تتحقّق بهِمَم الشبّان الذين أثبتوا أنّ الطريق إلى الحرّيّة لا تكون بالاستكانة، لا هنا في أرض الكنانة، ولا في أيّ أرض. إنّهم شبّان مصر الذين أثبتوا أنّ الغد لا يبنيه إلاّ شباب اليوم.
بـطـولـة شَـعـب
انتهى عصر البطولات الفرديّة. البطولة الآن بطولة جماعيّة. بطولة شعب. الأمل الكبير هو في الشعب، لا في الفرد الواحد (وإن كان قائدًا أو متفرّدًا). الشعب لا يموت. المصريّون، والعرب عمومًا، لن ينتظروا مخلِّصًا يأتي من بعيد معتليًا صهوة جواد أو متن دبّابة. لن يقرنوا مصيرهم برجل فردٍ يموتون بموته. ما حلَّ كَرْبَك إلاّ شعبُك.
لا بدّ من استخلاص العِبَر من كلّ الفترات السابقة، وبضمنها فترة عبد الناصر. المشروع الديمقراطيّ الابتدائيّ الذي أُجهِض بعد انتهاء عصر المَلَكيّة، في عهد ثورة يوليو، لا ينبغي له أن يُجهَض الآن، ولا بعد الآن. من حقّنا (بل من حبّنا) أن ندّعي أنّه من "واجب" المصريّين تجاه العروبة وتجاه الإنسانيّة جمعاء أن يحافظوا على هذه الثورة الفريدة. نريد لهذه الثورة أن تكتمل، أن تتكامل لا أن تنتهي. هي ثورة متمِّمة ومُلهِمة. تمّمتْ ما انطلق في تونس، وألهمت سائرَ العرب وأقنعتهم أنّ القناعة فناء وإفناء، إفناء لا كنز. أقنعت العربَ أنّ الرضا بالواقع رضوخ، والاتّكال تنصُّل، وأنّ النار تحرق لكنّها تضيء، وأنّ اليأس ليس له أن يكون جدولَ عمل. من هنا تكتسب ثورة مصر أهمّيّةً فوق أهمّيّة. هي ثورة جعلت العربيّ يخلع عنه الصَّغارَ والقنوط وينفض عنه الرغام. هي ثورة تَردّ إلى الروحِ الروحَ، وتبعث في النفوس أنفاسًا، وتضيء في العتمة نبراسًا. هي ثورة... وهذا في حدّ ذاته يكفي كي تكون مُهِمّةً مُلْهِمةً.
مـعـذور، يـا مـصـر!
ها أنا أجدني قد عاودتُ الكتابة في الحبيبة (مصر)، ومن زاوية الغناء على وجه التحديد. ليس من المستبعَد أن تقود الثورة الحاليّة إلى ثورة في مضمار الغناء والفنّ بعامّة. ليس ذاك من المستبعَد، بل من المنتظَر والمتوقَّع. فالفنّ الحقيقيّ ثورة وتعبير عن ثورة. نتوقّع ونريد لهذه الثورة الحاليّة (بل الثورات) أن تُلقِي بالقمامات وتُبقِي القمم، أن تكنس الغثّ والسطحيّ والتافه وترعى القيّم والعميق.
كتبتُ كثيرًا -كما يخيَّل إليّ-. ولفرط ما كتبتُ، آثرتُ ألاّ أنشره دفعة واحدة، إذ خشيتُ ألاّ يقرأه سوى مَن كَتَبَه! كتبتُ كثيرًا، وكان في الإمكان كتابة أضعاف ما كتبتُ ونشرتُ. معذور أنا، يا مصر! تُغريني الكتابة في مصر ولمصر. معذورٌ العاشقُ إذا عاود الحديثَ عن عشقه وعمّن يستحقّ عشقَه! لو علمتْ مصرُ بما نُجِنُّ من الهوى، لعذرَتْنا، ولربّما حسدتْ نفسَها! قد تحسد نفسَها، بَيْدَ أنّي على ثقة وأمل أنّها لن تتكبّر؛ فمصر كبيرة، والكبير حقًّا لا يمكن أن يتكبّر!
hajhanna@gmail.com
شباط 2011
