حياتكن على المحك

single

لم تكن المرة الأولى التي يتملكني فيها الغضب لدى سماعي خبر مقتل امرأة شابة على يد زوجها، أخيها أو قريب لها. لكنها المرة الأولى التي انتبه فيها الى أن بعضا من النساء العربيات يرفضن ادانة القاتل، لا بل يتمادين الى درجة يبررن فيها قتل فلانة أو علانة من النساء، فيبرئن الجاني ويجرمن الضحية.
إن المجتمع العربي يشهد تزايدا في مظاهر العنف عموما وتجاه النساء خاصة مما يشكل تهديدا لمبنى المجتمع العربي ككل وتقويضا للأسس السليمة للعائلة العربية. في ظل هذا الوضع الخطير، نرى ان هذه القضية تشغل حيزا كبيرا من اهتمام المجتمع العربي بفئاته المختلفة وقد نجد ان غالبية فئات المجتمع تدين العنف والقتل، فالغالبية من الرجال والنساء موحدون في رفضهم ونبذهم لمن يتخذ من العنف ومن القتل وسيلة لحل المشاكل والخلافات.
لكن الغرابة كل الغرابة ان تختلف الآراء عندما يتعلق الامر بقتل شابة أو امرأة وما يزيد الغرابة والتساؤل هو موقف نساء عربيات من هذه القضية.
المرأة في المجتمع العربي لا زالت تُقتل على يد الرجل الذي قد يكون من أقرب الناس اليها وتُقتل على يد بعض بنات جنسها من النساء حين يدعمن القاتل ويجدن له المبررات وحين يدَّعين انه كان بوسع الضحية منع قتلها لو انها فعلت كذا او لم تفعل كذا.
فبدل ان تدين المرأة العربية القاتل وبدل ان تحمِّله المسؤولية عما اقترفت يداه من زهق للروح، نراها تحمِّل المقتولة المسؤولية عن قتلها.
هي تلومها على كونها قد تكون خرجت عن المألوف فلم تساير أو أنها قد تكون "لا سمح الله" تجرأت وهربت من قاتلها الى مكان ظنت أنها ستجد فيه الحماية وأنها فيه ستتمكن من مواصلة حياتها وتربية أولادها بعيدا عن الخوف والرعب اليومي .
لماذا تشعر المرأة العربية بأن عليها التظاهر بالمسالمة والخنوع  والطاعة وتقبل ما لا تطيق قبوله؟ لماذا تحاول جاهدة أن تكبت أحاسيسها الانسانية ، فلا تجرؤ على اظهار الغضب والثورة لدى سماعها بخبر مقتل أخت لها أو قريبة أو صديقة على يد رجل قد يكون أخاها أو زوجها أو حتى والدها.
ان محاولة النساء العربيات ايجاد المبررات للجاني وتجريم الضحية لهو اكبر دليل على انهن لا زلن يرزحن تحت وطأة الخوف من مجتمعهن. فالمجتمع العربي اعتبر المرأة عبئا عليه ونظر اليها نظرة فوقية ولهذا ابعاد على نفسية المرأة واحاسيسها فنراها في ظل هذه الاحاسيس والمخاوف تميل الى اخفاء نفسها والى لوم الذات والخنوع والمسايرة وتأدية فروض الطاعة والولاء على حساب نفسها فتصبح منساقة وموجهة.
الوضع الخطير الذي تعيشه المرأة العربية في مجتمعها يتطلب تكاتفا من جميع الاطراف ومن جميع المؤسسات والأطر فكون القضية تتعلق بحياة انسانة يلزم الجميع على بذل جهود اكبر وعلى كافة المستويات. إن استمرار وتزايد العنف تجاه النساء في المجتمع العربي يدل على ان ما خصص من موارد للحد من هذه الظاهرة لم يكن كافيا وان هنالك تقصيرًا من قبل الدولة ومؤسساتها في تعاطيها مع هذه القضية.
المجتمع العربي يشهد تزايدا في المنظمات والجمعيات النسائية التي تعمل على مد النساء العربيات بالدعم وتحاول توفير الحماية لهن، لكن المنظمات والجمعيات النسائية بحاجة للدعم المادي والمعنوي لكي تتمكن من اداء واجبها نحو المرأة العربية.
إن تخصيص الموارد المادية لدعم قضايا المرأة والعمل على إعداد البرامج التعليمية والتثقيفية التي تساوي المرأة بالرجل وتدين العنف تجاهها لهو امر اساسي وضروري للحد من استمرار تفشي هذه الظاهرة، هذا بالاضافة الى ضرورة وجود الرادع القانوني. وبما ان المرأة هي المتضررة الرئيسية فمن المهم العمل على تعزيز ثقتها بنفسها لكي تتمكن من التغلب على الخوف المتجذر في اعماقها الى أن نصل الى مرحلة تتمكن فيها المرأة العربية من قول لا للعنف ضدها، الى ان تتمكن من ادانة الجاني دون خوف او خشية.  

قد يهمّكم أيضا..
featured

كيف سأصوِّت في هذه الانتخابات..

featured

دموع البترول وأقنعة الكلاب

featured

رحيل آخر المؤسسين لدولة اسرائيل على ارض فلسطين

featured

عجّلوا في إسقاط الأنظمة: استعدّوا للثورة القادمة

featured

واجب الساعة القضاء على التشرذم الفلسطيني

featured

عبد عنبتاوي في "بيان الفِردَوْس المُحْتمَل": احتفاء بالجنّة الأرضية المُمْكِنة؛ هنا والآن

featured

أبا الأدهم سنلتقي

featured

بعد رسالة أوباما لإيران.."الاعتدال" العربي في ورطة