رسالة أوباما التصالحية تجاه إيران أثارت تساؤلات كثيرة حول مغزاها الحقيقي وهل هى بداية تغيير جوهري في السياسة الأمريكية التي طالما دأبت على وضع إيران في خانة محور الشر ؟.
رغم أن الاجابة ليست من السهولة بمكان ، إلا أن آراء المراقبين تكاد تجمع أن الرسالة هى بالفعل بداية تغيير في سياسة واشنطن ولكنه ليس جوهريا بأي حال من الأحوال ، فالملفات بين البلدين كثيرة وشائكة وتحتاج لسنوات كثيرة حتى تتحول العلاقات بينهما من العداء الكامل إلى التحالف والصداقة ، ومن أبرز تلك الملفات أزمة البرنامج النووي ودعم إيران للمقاومة في فلسطين ولبنان ورغبة طهران في اعتراف الغرب بها كدولة إقليمية كبرى ، ولذا لا يمكن وصف التغيير الذي جاءت به الرسالة سوى بالمحدود الذي ارتبط بتطورات معينة من أبرزها ، وعود أوباما بالتغيير خلال حملته الانتخابية ، خاصة وأن سياسة سلفه جورج بوش كانت كارثية على أمريكا والعالم .
هذا بالاضافة إلى تطور آخر بات يحكم السياسة الخارجية الامريكية ألا وهو الأزمة المالية التي تعصف بالاقتصاد الامريكي ، والتي باتت تضع قيودا على أي تهور عسكري أمريكي تجاه إيران .
أيضا فإن خطط أوباما للانسحاب من العراق خلال 18 شهرا تحتاج للتنسيق مع إيران التي يتزايد نفوذها في بلاد الرافدين يوما بعد يوم ، وبإمكان عملاءها استهداف القوات الأمريكية وإيقاع الخسائر في صفوفها خلال الانسحاب.
ويبدو أن رسالة أوباما لا تخرج أيضا عن سياق المفاجآت التي فجرتها إيران في الفترة الأخيرة وأبرزها إعلانها في 8 مارس عن إجراء تجربة ناجحة على صاروخ جديد "جو- بحر "يصل مداه إلى 100 كيلومتر ويزن حوالي 500 كيلوجراما ويمكنه إصابة أهداف فى البحر على بعد 110 كيلومترات.
وسبق هذا التطور ، إعلانها في 3 فبراير 2009 وخلال احتفالها بالذكرى الثلاثين للثورة الإسلامية عن إطلاق أول قمر صناعي من صنع محلي ، ، حيث وضع الصاروخ "سفير 2" القمر "أميد" ويعني بالإيرانية " الأمل " في مدار حول الأرض على ارتفاع 430 ميلاً.
واشنطن التي شككت في السابق في قدرة إيران على تحقيق هذا الأمر ، سارعت إلى تأكيد صحة هذا الإنجاز ، وأعلن الناطق باسم وزارة الدفاع الأمريكية روبرت رود أن واشنطن تشعر بـ"قلق عميق" لهذا الواقع، مضيفاً أن الصواريخ من طراز " سفير 2 " قادرة على حمل رؤوس حربية غير تقليدية لمدى بعيد ، كما أن تطوير هذا الصاروخ لإطلاق قمر صناعي إلى مدار حول الأرض قد يؤدي إلى تطوير نظام صواريخ بعيد المدى.
وهكذا فإن إيران بدت وكأنها غير عابئة بالعقوبات التي فرضها الغرب عليها ، بل إنها تحقق تقدما تكنولوجيا وتسليحيا يوما بعد يوم ، أي أن العقوبات لم تحقق أي نتيجة تذكر ، كما أن تهديد الغرب بالعمل العسكري أصبح مستبعدا بقوة في ظل هذا التطور المذهل في القوة العسكرية الإيرانية .
ويبقى الأمر الأهم ألا وهو أن واشنطن غارقة حتى أذنيها في أفغانستان وأصبحت في حاجة قوية لمساعدة طهران في تسهيل مرور الامدادات لقواتها هناك بعد قرار قيرغيزستان مؤخرا إغلاق قاعدة مناس الجوية الأمريكية بأراضيها والتي كانت تعتبر القاعدة الأساسية لنقل تلك الإمدادات ، ولعل هذا ما أكدته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية عندما كشفت في 12 مارس أن مسئولين عسكريين أمريكيين يعكفون على استكشاف طرق بديلة لنقل الإمدادات لقوات الناتو في أفغانستان حتى عبر إيران ، قائلة :" مسئولو البنتاجون والناتو يفكرون في طرق بديلة عبر إيران من ميناء شاباهار على بحر العرب إلي طريق جديد تقيمه الهند في غرب أفغانستان".
والخلاصة أن واشنطن في مأزق كبير ولم تجد من خيار سوى تهدئة التوتر مع إيران التي ظهرت في الفترة الأخيرة وكأنها جزء من الحل سواء كان ذلك في العراق أو أفغانستان .
ويبدو أن زعيم حزب الليكود ورئيس الحكومة الإسرائيلية المكلف بنيامين نتنياهو هو الخاسر الأكبر من رسالة أوباما لإيران ، فهو خلال حملته الانتخابية شدد على ضرورة توجيه ضربة عسكرية للبرنامج النووي الإيراني واعتبر هذا الأمر على رأس أولوياته ، إلا أن الرياح جاءت بما لايشتهيه نتنياهو ، فأوباما برسالته أغلق الباب أمام هذا التوجه على الأقل في المستقبل القريب .
وبالنسبة لما يسمى بدول الاعتدال العربي ، فهى الأخرى تواجه موقفا حرجا ، حيث أنها في الفترة الأخيرة ركزت على التحدي الإيراني الذي يهدد العرب ، أما الآن وقد سعت واشنطن لطلب ود طهران ، ماذا سيكون موقفها " هل تتمسك بأن إيران تشكل تحديا أم أنها ستغير تلك الرؤية وتحرج نفسها أمام شعوبها لأنها ستظهر حينئذ وكأنها تسير في فلك واشنطن ، حيث لم يكن تحذيرها من الخطر الإيراني حقيقيا بقدر ما كان استجابة لضغوط إدارة بوش السابقة ".
سياسة العصا والجزرة
خامنئى يطالب أوباما بأفعال لا أقوال
وكان أوباما قد وجه في 20 مارس رسالة مسجلة على شريط فيديو إلى إيران، وعد فيه الجمهورية الإسلامية بـ "بداية جديدة" على أساس من الاحترام المتبادل.
وقال أوباما مخاطبا إيران :"الولايات المتحدة تريد أن تتبوأ إيران المكانة التي تستحقها في المجتمع الدولي، وهذه المكانة لا يمكن أن يتم التوصل إليها عن طريق الإرهاب أو السلاح، وإنما من خلال حوارات سلمية تظهر العظمة الحقيقية للشعب الإيراني وحضارته".
وأضاف " لدينا خلافات خطيرة نمت مع مرور الوقت.. إدارتي الآن ملتزمة بالدبلوماسية لعلاج مجموعة كاملة من القضايا المطروحة، والسعي لبناء العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران والمجتمع الدولي".
واستدرك مخاطبا زعماء إيران "لكن هذه العملية لن تتعزز بالتهديدات.. نحن نسعى بدلا من ذلك إلى حوار يكون خالصا ويقوم على الاحترام المتبادل".
ووزع البيت الأبيض شريط الفيديو الذي يتضمن الرسالة مع ترجمات باللغة الفارسية ونشره في موقعه الإلكتروني ليتزامن مع احتفال إيران بعيد النيروز (أول الربيع) وبدء السنة الإيرانية الجديدة.
والرسالة تمثل تحولا مثيرا في لهجة الخطاب الأمريكي، بعد أن كان الرئيس السابق جورج بوش ضم إيران إلى جانب كوريا الشمالية والعراق في مصطلح "محور الشر".
وعلق المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي على الرسالة قائلا :" إنه لم ير تبدلاً حقيقياً في سياسة واشنطن تجاه بلاده، رغم تعهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما ببداية جديدة" للعلاقات مع طهران"، مضيفاً أن تغيير اللهجة لا يكفي، بل يتوجب على الولايات المتحدة أن تطبق ما تدعو إليه على أرض الواقع.
وشدد خامنئي، الذي كان يتحدث بمناسبة بدء السنة الجديدة بالتقويم الفارسي ، على أن سياسة طهران لن تتغير قبل أن تتغير سياسة واشنطن، واعتبر أن القوى الكبرى أدركت عدم قدرتها على وقف تقدم البرنامج النووي الإيراني، واصفاً التدشين الاختباري لمفاعل بوشهر في 25 فبراير الماضي بأنه أحد "التطورات المفرحة".
وأشار إلى أن دعوة أوباما تجاهلت ما وصفها بـ"الأخطاء السابقة" التي ارتكبتها واشنطن بحق طهران ، وذكر بحادث إسقاط طائرة مدنية إيرانية من قبل البحرية الأمريكية عام 1988 والذي أودى بحياة 290 شخصاً آنذاك، مشدداً على أن الحادث لا يمكن نسيانه، كما اعتبر أن الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق هو السبب الوحيد لحالة عدم الاستقرار في المنطقة.
وأضاف "إذا قام أوباما بإجراءات جذرية وتغييرات جوهرية في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الدول الأخرى، وبينها إيران، فإن إيران، بشعبها وحكومتها، لن تدير ظهرها له".
وكانت العلاقات الدبلوماسية قطعت بين الولايات المتحدة وإيران بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 ، وعملية الاحتجاز الشهيرة لدبلوماسيين أمريكيين في السفارة الامريكية بطهران والتي استمرت 444 يوما.
وتفرض واشنطن حظرا نفطيا على إيران منذ 1995 بسبب اتهامها بدعم الإرهاب والسعي لامتلاك أسلحة للدمار الشامل ، وفي 12 مارس مدد أوباما لسنة واحدة مرسوما أصدره في 15 مارس 1995 الرئيس السابق بيل كلينتون ويحظر أي مساهمة أمريكية في تطوير الثروة النفطية الإيرانية وينص على وقف التجارة من استيراد وتصدير وكذا الاستثمار في إيران، وهو القرار الذي مدده الرؤساء الأمريكيون منذ ذلك الحين سنوياً وبشكل روتيني.
ويتساءل البعض "هل سيتبع أوباما مع إيران سياسة العصا والجزرة؟ فهو مدد العقوبات عليها بحجة أنها مازالت تشكل خطرا استثنائيا على المصالح الأمريكية في المنطقة ، وبعد هذا القرار بأيام ، فاجأ العالم برسالة يطلب فيها ود طهران .
(عن شبكة الاعلام العربية – محيط)
