المطلوب ممارسة ضغط على المحتل بوسائل كثيرة متوفرة لدى العرب. اقتراح الامين العام للجامعة العربية ليس سيئا، ولكن..
*ألا يستحق الشعب الفلسطيني لدعم صموده ان يلجأ الاشقاء العرب الى سلاح المقاطعة العربية ليس فقط للمنتجات والمصنّعات الاسرائيلية بل ايضا للشركات التي تتعامل مع اسرائيل ومع المحاور التي تربطها اتفاقات اقتصادية- تجارية مع اسرائيل مثل البروتوكول التجاري بين اسرائيل والاتحاد الاوروبي والاتفاقية التجارية بين اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية*
في مؤتمر صحفي عقده الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعد انتهاء الجلسة الختامية لمؤتمر القمة العربية في "سيرت" الليبية يوم الاحد من مطلع هذا الاسبوع، صرّح ان ما تمخّض عن القمة الثانية والعشرين كان "قرارات جيدة وفي كل المجالات المعقولة. وبالنسبة لقرارات القدس بالذات الموضوع جيد. وبما يخص دعم القدس المالي والسياسي الوضع جيد. وبالتالي نحن نتمنى ان توضع هذه القرارات موضع التطبيق"!
انه تصريح لخدمة العلاقات العامة للسلطة الفلسطينية ولا يعكس واقع جوهر الحقائق التي برزت في مؤتمر سيرت وفيما تمخض عنه من نتائج. فالسؤال المنطقي الذي فرض نفسه في ظل مأساوية المرحلة الراهنة على ساحة الصراع الاسرائيلي- الفلسطيني من جراء تصعيد الممارسات الاجرامية البلطجية العربيدة الاستفزازية التي يمارسها المحتل الاسرائيلي لتهويد القدس جغرافيا وديموغرافيا وحتى دينيا، السؤال الذي يطرح نفسه هل يرتفع المسؤولون من انظمة العرب في القمة الثانية والعشرين الى مستوى المواجهة والتغلب على الممارسات- التحديات الاحتلالية التي تهدد بمصادرة الحق الوطني الفلسطيني؟ والحقيقة هي ان احدا ممن يدرك جيدا طابع الهوية "السياسية الوطنية" لغالبية الانظمة العربية لم يراهن ابدا بان يركب الحكام العرب "الخيل والخيالة" بعد مؤتمر القمة لخوض المعترك الكفاحي دعما للحق الفلسطيني بشكل ناجع! وما يحز في القلب في هذا الزمن الرديء ان مؤتمر ليبيا وما تمخض عنه لم يخيب آمال اعداء الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه الوطنية من المحتل الاسرائيلي الى ادارة الامبريالية الامريكية ومن يدور في فلكهما، الذين توقعوا مسبقا ان "الخصيان" لا تنجب الثمر! وان شيكات قرارات القمم العربية دائما كانت بدون رصيد و "تطج" وينتهي مفعولها بعد اختتام اعمالها.
ونحن بدورنا، لم نتوقع من قمة ليبيا "معجزة عربية" تزيل طابع وملامح العجز العربي، ولهذا لم نكن متفائلين خاصة وان العديد من المؤشرات البارزة كانت بمثابة دلائل على فشل المؤتمر حتى قبل ان يبدأ اعماله. ومن اهم هذه المؤشرات والدلائل ما يلي:
*أولا: بروز الخلافات العربية- العربية الى حد ما يشبه القطيعة بين بعض انظمتها مثل الخلافات السعودية- الليبية والمصرية- السورية واللبنانية- الليبية. وقد عكست هذه الخلافات أثرها السلبي على طابع وعدد ومستوى المشاركة في مؤتمر القمة في ليبيا. فقد برز في هذا المؤتمر عدم مشاركة ملك المملكة العربية السعودية عبدالله والرئيس المصري حسني مبارك والرئيس اللبناني ميشيل سليمان وغيرهم. ولم يشارك سوى اربعة عشر رئيس دولة عربية، أي مشاركة اقل عدد من الرؤساء العرب في أي مؤتمر قمة عربية سابقة!! وهذا يعكس احد اوجه الموقف العربي الرسمي المعيب والمتخاذل نحو الشعب العربي الفلسطيني الذي يواجه في هذه المرحلة، في هذه الايام، مرحلة مصيرية في مواجهة المخططات الاجرامية التي يمارسها المحتل الاسرائيلي، من تصعيد النشاط الاستيطاني وهدم المنازل والتطهير العرقي ومواصلة بناء جدار الضم والعزل العنصري، وخاصة بهدف تهويد القدس الشرقية ونسف قواعد وثوابت اقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية في حدود الرابع من حزيران السبعة والستين وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
*ثانيا: ألانقسامات والخلافات الكارثية الفلسطينية- الفلسطينية بين حماس وفتح وبين الضفة والقطاع التي تضعف الموقف الفلسطيني في أي محفل دولي، في القمة وغيرها، كما تضعف من زخم التضامن العربي والعالمي مع الكفاح العادل للشعب العربي الفلسطيني. كما ان هذا الانقسام يجعل الفلسطينيين وقياداتهم اكثر عرضة للاختراق والابتزاز السياسي من قبل اعداء الحقوق الوطنية الشرعية الفلسطينية، الاسرائيلية والامبريالية ودواجنهم من انظمة التواطؤ والتخاذل العربي. كما يجعل الفلسطينيين عرضة للتجاذبات والتدخلات الاقليمية، خاصة العمل لتمزيق وحدة الصف الفلسطيني على اساس من ينضوي تحت لواء استراتيجية الهيمنة الامريكية- الاسرائيلية في المنطقة، والولاء لهذه الاستراتيجية والترويج للانظمة "المعتدلة" العربية المدجنة امريكيا كمركب اساسي للتحالف الامبريالي- الصهيوني- الرجعي في المنطقة، ومن ينضوي تحت لواء النفوذ الايراني في المنطقة. والادعاء ان حركة "فتح" تدور في الفلك الامريكي وحركة حماس تخيّل في الحلبة الايرانية، "حلبة الارهاب والتطرف"! فمن حيث المدلول السياسي فان مخاطر هذا الترويج التضليلي تكمن في محاولة طمس حقيقة ولاء الشعب العربي الفلسطيني لقضيته الوطنية بالتحرر والسيادة الوطنية وابراز ولاء كل منها لسيدها الاقليمي. وبناءً على ذلك فانه لا مصداقية للادعاء بان الشعب الفلسطيني هدفه دولة مستقلة بل "الارهاب" ضد اسرائيل وامن اسرائيل كما يدعي المحتل الاسرائيلي مغتصب الحقوق الوطنية الفلسطينية.
*ثالثا: لقد عقد مؤتمر القمة العربية في سيرت الليبية في عز التهويل الترويجي التضليلي للخلافات والمناكفات الامريكية- الاسرائيلية واستغلال هذا التهويل لمنع القمة العربية من اتخاذ أي قرار يغضب ادارة باراك اوباما الامريكية او حتى يمس العلاقات الامريكية- الاسرائيلية في تحديد الموقف من جرائم المحتل الاسرائيلي في القدس المحتلة. فبسبب الخلاف حول سبل مواجهة تحديات الموقف الاسرائيلي البلطجي العدواني، الخلاف بين تيارين اساسيين، تيار تتبناه كل من سوريا وليبيا وتيار الانظمة العربية "المعتدلة". الاول يطالب باتخاذ اجراءات عينية ضد اسرائيل وللضغط على الادارة الامريكية، اما التيار الثاني فيطالب باعطاء فرصة "للمبادرة الامريكية" للضغط على اسرائيل واذا فشلت يجري البحث في بدائل. لقد برز خلاف في وجهات النظر بين الرئيسين السوري بشار الاسد والليبي معمر القذافي من جهة، والرئيس الفلسطيني محمود عباس من جهة اخرى. فقد طالب الاسد والقذافي الرئيس محمود عباس، على ضوء الممارسات الاسرائيلية وعدم نجاعة "الضغوطات" الامريكية على حكومة الاحتلال والاستيطان اليمينية الاسرائيلية، عدم استئناف المفاوضات غير المباشرة او المباشرة مع عدو لا طائل ولا نتائج ايجابية مرتقبة من المحادثات معه. الرئيس بشار الاسد توجه الى ابي مازن والوفد الفلسطيني في المؤتمر قائلا "عودوا الى نهج المقاومة، لان هذا هو الحل. لان الثمن الذي ستدفعونه لن يكون اغلى مما تطالبون بدفعه من خلال المفاوضات المباشرة وغير المباشرة التي لن تقودكم الى أي مكان"! ورد ابو مازن "نحن متمسكون بالحلول السلمية".
إن عدم الاتفاق على موقف متفق عليه في القضية الجوهرية حول كيفية وبأية وسائل يمكن مواجهة التحديات الاسرائيلية، عدم الاتفاق أدى الى عدم صدور بيان مشترك عن المؤتمر، وجرى الوعد بان تبعث صياغة قرارات يجري اعدادها الى كل نظام. كما "تنازل" الرؤساء عن القاء كلمة ختامية وتحدث عمرو موسى الامين العام للجامعة العربية بلغته الدبلوماسية معلنا انه سيعقد في شهر ايلول القادم مؤتمر قمة استثنائي بموازاة افتتاح الدورة الجديدة للجمعية العامة للامم المتحدة لمناقشة القضايا العالقة.
**ماذا تحقق فعلا في القمة؟
إن الشعب العربي الفلسطيني، خاصة في المناطق المحتلة وفي القدس الشرقية المحتلة لم يعلق آمالا كبيرة بان تتخذ القمة العربية في ليبيا قرارات سياسية درامية لدعم صمود الشعب الفلسطيني واهل القدس في مواجهة عمليات الاقتلاع والتهويد الصهيونية الكولونيالية. فالانظمة العربية اجبن حتى من مجرد التفكير باتخاذ أي اجراء يغضب اسيادها وارباب نعمة بقائها عبر المحيط، او حتى تسمح لشعوبها بالتعبيرعن موقفها الوطني نحو اخوتها من الشعب العربي الفلسطيني الشقيق لدعم صموده. هذا الشعب توخى من القمة العربية التي اطلقت عليها اسم" قمة دعم صمود القدس" ان تترجم هذا الشعار الى واقع، هذا الاسم الى مُسمّى، فالقدس بحاجة الى تعزيز صمود اهلها، المحافظة على بيوتها ودعم المؤسسات الخدماتية والتعليمية والصحية وتعمير ما هدمه جند هولاكو الاحتلال واستولى عليه العنصريون من اوباش المستوطنين.
في خطاباتهم وتصريحاتهم "بذّر" الرؤساء العرب اطنانا من اجمل ما عرفته اللغة العربية من كلمات ادبية بليغة حول اريحيتهم اليعربية لدعم صمود اشقائهم الفلسطينيين. ولكن كما عودنا هؤلاء الرؤساء "على الحكي ما في ضريبة ولا رصيد على ارض الواقع"، فكل ما قرروه من دعم لصمود القدس واهلها هو (50) مليون دولار، لا يصل الى ما ينفقه شباب واراذل القصور من مشايخ الانظمة الفاسدة والمفسودة على "سهرة حمراء" مع عاهرات في لندن او باريس او نيويورك. فخمسون مليون دولار لا تكفي لسد الحد الادنى من كلفة اعادة اعمار جزء بسيط مما دمره وهدمه وخربه المحتل الاسرائيلي.
ألشعب الفلسطيني يواجه امام انظار العرب والعالم مخططا كولونياليا اسرائيليا لمصادرة حقه في الوطن، هذا الشعب الذي يواجه ابناؤه في المناطق المحتلة، خاصة في قطاع غزة حصارا مطبقا اقتصاديا وتجويعيا، ألا يستحق هذا الشعب لدعم صموده وانجاز حقوقه الوطنية الشرعية الاغاثة من اشقائه العرب ومن جميع انصار حق الشعوب في الحرية والسيادة الوطنية؟ لا احد يطلب من ارانب انظمة العرب محاربة اسرائيل، فقادة الشعب الفلسطيني يؤكدون ويمارسون موقفا مدلوله السياسي ان السلام العادل هو خيارهم الاستراتيجي دون التنازل عن حق المقاومة الشرعي وبجميع اشكالها.
ما يطلب هو ممارسة ضغط على المحتل بوسائل كثيرة متوفرة لدى العرب مثل قطع جميع اشكال التطبيع السياسي والاقتصادي والدبلوماسي والتجاري مع المحتل الاسرائيلي، الضغط بقطع العلاقات الدبلوماسية القائمة بين مصر والاردن مع اسرائيل والعلاقات الاقتصادية التجارية بين اسرائيل وبعض بلدان الخليج مثل قطر وغيرها، وربط قضية التطبيع بمدى التقدم في قاطرة العملية السياسية الاسرائيلية- الفلسطينية. ألا يستحق الشعب الفلسطيني لدعم صموده ان يلجأ الاشقاء العرب الى سلاح المقاطعة العربية ليس فقط للمنتجات والمصنّعات الاسرائيلية بل ايضا مع الشركات التي تتعامل مع اسرائيل ومع المحاور التي تربطها اتفاقات اقتصادية- تجارية مع اسرائيل مثل البروتوكول التجاري بين اسرائيل والاتحاد الاوروبي الذي يجدد سنويا ويعطي للبضائع الاسرائيلية المستوردة الى بلدان المجموعة امتيازات وتسهيلات جمركية وضرائبية، او الاتفاقية التجارية بين اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية.
في مؤتمر القمة في ليبيا اقترح الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى انه في حالة فشل مبادرة السلام العربية يجب دراسة وبلورة البدائل. واقترح موسى ان يكون الشرق الاوسط خاليا من السلاح النووي واطلاق حوار عربي- ايراني لتحديد طبيعة العلاقات المستقبلية مع ايران، كما دعا الى انشاء رابطة الجوار العربي لتضم دول الجامعة العربية بالاضافة الى دول الجوار العربي- تركيا وايران واثيوبيا واريتريا وتشاد!! وانه لا مكان لاسرائيل في هذه الرابطة لانها دولة تعتبر نفسها فوق القانون ولا تقبل بدولة فلسطينية ذات سيادة ولا تحترم الهوية العربية في القدس.
إن اقتراح الامين العام للجامعة العربية ليس سيئا، ولكن يا سعادة عمرو موسى فانه من الاهمية بمكان اولا ضبط وتطوير روابط التضامن والتعاضد الأخوي بين البلدان العربية وبين الفلسطينيين وتجاوز مرحلة الانقسامات والخلافات العربية- العربية والفلسطينية- الفلسطينية واعادة اللحمة لوحدة الصف الكفاحية العربية والفلسطينية المتمسكة بثوابت الحقوق العربية والفلسطينية.
