لم ألتقِ به من قبل لكنني سمعت عنه الكثير... رأيته مرّة واحدة، كنّا يومها في زيارة لبيت ابنته المصون "روضة". جلسنا في حديقة المنزل نتبادل أطراف الحديث، وإذ بطفلتي التي تبلغ من العمر أربعة أعوام تناديني: "يمّا بدي أروح أشوف سيدو شو بعمل..." كان "سيدو" يقف على بعد بضع خطوات من مكان جلستنا، يحمل مقصّا يقلّم به أغصان الأشجار ويلاطفها كما لو كان يلاطف طفلا من أطفاله... بدا لي حنونًا عطوفا...
ناداه صهره "غسّان" ممازحا: "إوعا تقص راس البنت عمي".. ضحك "النمر" راضيا متفهّما... ثم بدأ يُحاور ابنتي، تسأله ويجيب دون كلل أو ملل أو ضجر... فأيقنت أنه مربٍّ قدير.
لم أنبس ببنت شفة، وتركت عيني تراقبان الموقف بدقة وإعجاب... وإذ "بروضة" تقطع حبل أفكاري قائلة: "والدي يُحب الأطفال كثيرا.. لقد ضعف بصره في الفترة الأخيرة... يكاد لا يرى، أنا أخصصه بجلسة تقارب الساعة كل يوم، أقرأ له فيها الجرائد والكتب..."
كان الحديث عن "النمر" الوالد يحتلّ المساحة الأكبر في كل لقاء يجمعني بالعزيزة "روضة"، فأقول في نفسي:" ونعْم الأب هو".
في تاريخ 29/1/2013 جاءنا نبأ رقود"النمر" ورحيله إلى مثواه الأخير... ذهبت وزوجي لتقديم التعازي... والحق أقول إنني دُهشت لما رأيت وسمعت في بيت العزاء! صبر وجلادة، يتحدثون عن الفقيد بشيء من الفخر والاعتزاز، يسردون نوادره، ولا يتورّعون عن احتضان تلك النادرة بابتسامة خفيفة تُجمّل الذكرى.. وكأن روحه تحوم وتُحلّق بالمكان...
" الرفيق "نمر" ما كان يآمن بالحداد ولا باللون الأسود..."، قال أحدهم هذه الجملة لأرملة الفقيد، التي أومأت برأسها بالإيجاب وقالت: "صحيح...". مثل هذه الشهادات وغيرها من ثناء ومديح جعلتني أدرك أنّ هذا البيت عجّ ويعجّ بالحياة، ونبض وينبض بالتفاؤل والأمل...فهمت أن أمثال النمر لا يموتون إلا جسدا، فما خلّفوه وراءهم من عملٍ وعطاءٍ ينطق به الزمان والمكان ليجعل الروح باقية ما دامت البشريّة قائمة...
ووفاءً لذكراه، قامت العائلة البارّة بنشر مذكرات والدها في كتاب يحمل عنوان: أقوى من النسيان: مذكرات غير عاديّة لإنسان عادي. وخصصتني العزيزة "روضة" بإهداءٍ مؤثرٍ حين كتبت: "لنذكر أولئك الّذين وهبونا معنى للحياة وطعمًا للصمود وأغنية للأمل". ولمّا أسعفني الوقت الضاغط، قرأت الكتاب صفحة صفحة لأجد نفسي أقف أمام إنسان جدّ عظيم، أعطى فأجزل في العطاء، وعد فأوفى، ناداه الجمع فلبّى... يسكن الهم الجماعيّ روحه وجسده فيسري في شرايينه وأوردته ليصبح الهواء الّذي يتنفّسه... هو الأبُ الحاني والزوج المُخلص، هو المُربي الفاضل والقائد الجريء المقدام صاحب الفكر النيّر المتنوّر...
أبحرت في عالم الكتاب وذكرياته... اعتليت أمواجه وغصت في أعماقه... شدتني لغته الجميلة الجذّابة والمسبوكة سبكا قويا. أما مضمونه وفحواه فهما أعمق وأشمل من أن تصفهما الكلمات بسطور معدودة... هي مذكرات غير عاديّة لإنسان غير عادي! فالعادي هو المألوف والموجود، أمّا أمثال "النّمر" فأظنهم قليلين! كم يفتقد مجتمعنا أشخاصا يسيرون على دربه ويخطون خطاه الواثقة النزيهة! عطاء بلا حدود ودون مقابل! عقل وقلب لايسكنهما إلا الأرض والحق والوطن، الجهاد ضدّ التمييز العرقيّ العنصريّ.. فكرٌ أصيلٌ باتت قضاياه مهمّشة مغلّفة بالشعارات الرّنانة والأقوال الخدّاعة!
يُفتتح الكتاب بكلمات مُشوّقة بقدر ما هي مؤثّرة... هي رسالة إلى بناته الست اللاتي خاطبهن الوالد بصيغة المفرد ليُحكّم العدل والمساواة بينهن فكتب: "رسالة إلى ابنتي" لم يحدد أيهن، فكلهن عنده سواسية... لكلّ كلمة دلالة ومعنى عميق:
" هكذا ما زلت أنت في عيني... طفلة. فيا للحب الّذي لا يعترف بالزمن ولا بما فعله الزّمن...
لم أكتب مذكرات كما اعتاد وفعل كثيرون حتى أستعين بها. لم أجد وقتا للتمتع بهذا الترف. نعم حسبت ذلك ترفا لا يستحق إضاعة الوقت عليه، وأن من الأولى أن أنجز في الوقت اللازم لممارسة هذا الترف عملا ينفع المجموع. هكذا كنت أجادل نفسي كلّما نازعتني لأهدر وقتا على ما اعتقدته ترفا. فعندما صرت قادرا على الكتابة السّوية، دهمتنا أيام لا طعم للكتابة فيها إن لم تكن أداة كفاح عن حاضرنا الّذي كان مهددا، ولضمان مستقبلنا الّذي لفته علامة سؤال. وهكذا قضيت بقية العمر فهل أنا نادم اليوم على ذلك؟ لا لست نادما. ولو أمكن أن أبدأ عمري الواعي من جديد وفي نفس الظروف التي عبرتها، لعدت على ما فعلت وما آمنت به. ولئن آسف على شيء فعلى أنّ قدراتي لم تتح لي أن أُعطي أكثر....
قد تجدين أنني أكتب عن نفسي، ولكن هذا ليس الهدف مما أكتب... كلي أمل أن تستفيدي أنت وأولادك من تجارب مررنا عليها ومرّت علينا. فعلى أسس الماضي قام الحاضر، وعلى أسس الماضي والحاضر سيقوم المستقبل، فلماذا ينبغي أن تعانوا ما عانينا وأنتم لزمن غير زماننا؟"...
عبارات جزلة، فلسفة وحكمة، راية ترفرف ورؤيا، عمل وصل الليل مع النهار وذكريات مقهورة قاهرة، فكيف لا يكون "النمر" أقوى من النسيان! عشتَ مناضلا مكافحا نمرا، كلّما حاول الأعداء ترويضك أبيت مزمجرا فعدت إلى أصلك مهما طال الزمن. كتبت الذكرى لتوثّق المعنى وتوصل الرسالة، موصيا مذكّرا متأمّلا بنعيم خيّر للأهل والأمّة...وحين رقدت رقدت مطمئنا بعدما أدّيت الواجب والأمانة.
فلتبقَ ذكراك خالدة، ولتكن الروضة مسكنك، والنرجس والعبير عبق مجلسك، والأمل، كلّ الأمل، بلبلا يصدح بمطلبك، أمّا الرابعة فهي بعينك وروحك "طفلة لم تزد عن الأمس إلا إصبعا".. فلك مني تحية احترام وتقدير وعرفان، لا ولن يعقبها جحود أو نكران...
