النقد الذاتي

single
من أكثر الآفات التي نعانيها، نحن العرب، أفرادًا وشعوبًا وأمة، هو غياب، أو ضعف، ثقافة النقد الذاتي في حياتنا، بأوجهها المتعددة: سياسيًا وإداريًا وثقافيًا وسلوكًا فرديًا أو جمعيًا. تطغى على حياتنا لغة الرضا عن الذات، والثناء المبالغ فيه عليها، والفخر المغالى فيه بما نحسبه نجاحات أو إنجازات، وما أكثر ما تبرهن التجربة، ولو بعد حين، أنها لم تكن إنجازات فعلية، وإنما كانت مقدمات أو عتبات لإخفاقات تلتها.
وتمتد مثل هذه الثقافة، لتشمل نظرتنا إلى تاريخنا كأمة، الذي لا نجادل في أنه مملوء بمحطات مضيئة جديرة بالعزة والفخر؛ لكنه بالمقابل مملوء أيضًا بالخيبات والهزائم وحتى "الجرائم" وبالأخطاء الفادحة، ويحول شعور العزة بالنفس، دون مصارحة هذه النفس بما هو مرير ومؤسف من حقائق في تاريخنا، ناهيك عن المجاهرة بها أمام الأمم.
ما مِن أمة انطلقت من كبواتها، دون أن تبدأ بممارسة النقد الذاتي تجاه نفسها، وتقرّ بما وقعت فيه من أخطاء، وتعلن ذلك صراحة لنفسها ولأجيالها القادمة، حتى تتمكن من الإقلاع نحو المستقبل، مستفيدة من أخطائها، ومصممة على ألّا تكررها.
الأمثلة على ذلك كثيرة، لكن بوسعنا الاكتفاء ببعضها، فلو لم تقدم الأمة الألمانية على قطيعة سياسية وثقافية ونفسية مع النازية، ما كان بإمكانها أن تعود، كما هي اليوم، ألمانيا القوية، الناجحة، رغم أنها خرجت منهزمة شرّ هزيمة في نهاية الحرب العالمية الثانية، هذه القطيعة هي نفسها ما دعوناه في العنوان بـ "النقد الذاتي".
مثلها فعلت اليابان، التي خرج أبناؤها من الحرب نفسها منهزمين، ومن منا بوسعه أن ينسى صور من بقوا أحياء بعد إلقاء القنبلتين النوويتين على هوريشيما وناجزاكي، في أسمال مغبرة، فإذا بهذا البلد يحقق في عقود قليلة ما عرف بـ "المعجزة اليابانية".
كان بوسع الألمان الاستمرار في تمجيد هتلر بوصفه زعيمًا وطنيًا أكدّ قدرة الأمة الألمانية على أن تحتل، في آن واحد، ما احتله من بلدان، وكان بإمكان اليابانيين الاكتفاء بصورة الضحية، بعد القنبلتين النوويتين على بلادهم، دون مراوحتها مستعطفين العالم معهم، ولكنهم، كما الألمان، قرروا التعامل مع ما جرى في الماضي بوصفه عظة ودرسًا، والمضي للمستقبل بكل تصميم وعزيمة.
يمكننا أن نشير إلى تجربة الصين أيضًا، فلولا النقد الشجاع الذي مارسته تجاه ما عرف بـ "الثورة الثقافية" المشؤومة، وما جرته معها وبعدها من كوارث، ما كان بإمكانها أن تحقق النقلة الكبرى في اقتصادها اليوم، وها هي تتأهب لتصبح القوة الاقتصادية الأولى في العالم، متفوقة على الولايات المتحدة.
ثمة تجارب أخرى لا تقل أهمية، كانت أحوال أصحابها من أمم مشابهة لأحوالنا نحن العرب اليوم، من ضعف في الاقتصاد، وغياب للسيادة، وخلل وفساد فاضح في الإدارة، ولكنهم امتلكوا العزم والشجاعة في نقد كل هذا، والتصميم على مغادرته.
قد يهمّكم أيضا..
featured

داعش حركة فاشية وصناعة أمريكية

featured

جدل "المجتمع" السياسي والمجتمع المدني في التجربة الفلسطينية

featured

الأطباء المتخصِّصون وبلطجة الحكومة

featured

يمينيّ بالقول وبالفعل

featured

رسالة اعتذار الى اطفال غزة

featured

كيف للفلسطينيّ أن يقاطع؟