جدل "المجتمع" السياسي والمجتمع المدني في التجربة الفلسطينية

single

من البديهي والمفهوم أن تتركّز المسؤولية عن أحوال العمل الوطني الفلسطيني، ومآلاته، على حركتي "فتح" و"حماس"، المهيمنتين على المشهد السياسي الفلسطيني، والمقرّرتين الأساسيتين بشأن سياساته وتوجهاته؛ بحكم موقعهما في السلطة في الضفة وغزة، وهيمنتهما على الموارد العامة، ونسبة لقدراتهما المالية والعسكرية وعلاقاتهما على الصعيدين العربي والإقليمي.
لكن هذا الواقع يطرح ملاحظتين أساسيتين، أولاهما، تتعلق بدور الفصائل الأخرى التي تكاد لا تكون موجودة، أو التي بات وجودها محض شكليا، أي بدون فاعلية تذكر، لا على مستوى البناء الداخلي، ولا على المستوى الخارجي المتعلق بمواجهة العدو.
وتنبثق من هذه الملاحظة أسئلة عديدة، فمثلا:  ما الذي تفعله هذه الفصائل حقا غير مواصلة "العيش" على هامش التمحور أو التصارع بين "فتح" و"حماس"؟ ولم لا تقوم هذه الفصائل بإصلاح أوضاعها، ونفض التكلّس من بناها، بدلا من الاكتفاء بندب حظّها ووضع مشكلاتها على شماعة "احتكار" "فتح" و"حماس" للقرارات والموارد؟ ثم ما الذي تنتجه هذه المنظمات من أفكار سياسية، وما هو النموذج البديل الذي تقدمه لشعبها كبديل عن "فتح" و"حماس"؟ وفوق كل ذلك لم لا تقوم هذه الفصائل، أو الفصائل المتماثلة، بإيجاد نوع من توافقات أو إطارات مشتركة لفرض نفسها كتيار ثالث، وربما رابع وخامس، لاستعادة التوازن في الساحة الفلسطينية وكسر التمحور بين الفصيلين الرئيسين "فتح" و"حماس".
اللافت أن كل الفصائل (ومعظم الناشطين والمهتمين) في الساحة الفلسطينية تطالب بالإصلاح، وتلحّ عليه، مع ذلك فإن الأمور في هذه الساحة لا تجري كما يجب، ذلك أن الكلام شيء والممارسة شيء آخر. ولما كانت الساحة الفلسطينية هي مجموع الوحدات أو الكيانات المشكّلة لها، فمن البديهي تعذّر تحقيق الإصلاح من دون إصلاح الفصائل لذاتها، أولا. ومثلا، لا يمكن الحديث عن الديمقراطية والمشاركة السياسية وتجديد البنى ونبذ الفساد في وضع تفتقد فيه الفصائل للحياة الديمقراطية، وفي ظل وجود مجموعة ضيّقة تحتكر القرارات فيها، وفي وضع تفتقد فيه هذه الفصائل لأي حراك سياسي داخلي، وفي حالة تسيطر فيها علاقات المحسوبية والزبائنية على حساب معايير الكفاءة والنزاهة والأهلية الوطنية والمسلكية. أيضا، لا يمكن للفصائل، وللأفراد، أن يطالبوا بالتعددية والتنوع وبحرية الرأي وتعزيز التفكير النقدي في ظل ثقافة أحادية تتأسّس على احتكار الحقيقة والوصاية على المجتمع ومصادرة حرية الرأي.
على ذلك فإن إصلاح الوضع الفلسطيني يفترض من كل القوى إثبات ذاتها وتأكيد حضورها وإن تعذّر فالإقرار بأفول دورها، لأن استمرار بعض القوى بإنكار التدهور في دورها والتآكل في مكانتها لا يفيدان، بقدر ما يحمّلانها مزيدًا من المسؤولية ويجعلاها بمثابة عبء على العمل الوطني وعلى إمكان تحوله من نظام يتأسّس على المحاصصة إلى نظام يتأسس على قواعد نضالية وديمقراطية وتمثيلية.
الملاحظة الثانية، وتتعلق بغياب التفاعلات في المجتمع الفلسطيني، الذي يبدو رغم حيويته، وكثافة مشاركته في الأنشطة سياسية، غير قادر على التبلور بعد كمجتمع مدني مستقل قادر على فرض تياراته وتنويعاته وتمثيلاته على "المجتمع" السياسي، المتمثل بالفصائل الفلسطينية السائدة.
وفي الحقيقة فإن المجتمع الفلسطيني، في كافة أماكن تواجده، سلم القيادة لفصائله المسلحة التي كان لها الدور في انتشاله من حال الضياع والتشتّت، التي أعقبت حدث النكبة، وسلّم باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية كيانا سياسيا موحّدا له، ومعبّرا عنه.
بسبب من كل ذلك لم يكن بمقدور الفلسطينيين طرح سؤال التمثيل، لاسيما أن الشرعية الفلسطينية، في تلك الفترة، قامت على ما بات يعرف بـ"الشرعية الثورية"، وفق نظام المحاصصة الفصائلية، وما سهّل ذلك غياب الحيّز الوطني المستقل، وواقع تمزّق المجتمع الفلسطيني، وخضوعه لسيادات متعدّدة ومتباينة.
على أية حال فإن عوامل الزمن والتجربة والوعي لعبت دورها هنا، كما في التجارب الأخرى، إذ تبيّن أن نظام "المحاصصة" لا يلبي حاجات التطور، وأن الفصائل نفسها تخضع لامتحان قد تنجح فيه وقد تخسر، وأن تطور الوعي المجتمعي يفتح على سؤال التمثيل والمشاركة السياسية الفاعلة، وهذا لا يمكن أن يتم بدون ترسيخ نظام ديمقراطي تمثيلي، يتأسّس على الانتخابات والاستفتاءات والتعددية.

وعلى أية حال فقد حصلت لحظة التمايز بين المجتمع المدني الفلسطيني وبين البنية الفصائلية، بنتيجة عدم قدرة الحركة الوطنية الفلسطينية على تحقيق انجازات وطنية ملموسة في مواجهة العدو، وبنتيجة ضمور المؤسسات الوطنية الجمعية أو غيابها، وأيضا بنتيجة التحولات في المشروع الوطني، لاسيما بعد توقيع اتفاق أوسلو (1993)، وتحول الحركة الوطنية الفلسطينية من حركة تحرر وطني إلى سلطة (على حساب كيانية المنظمة)، في جزء من الأرض على جزء من الشعب. وجدير بالذكر أن هذا التحوّل يختلف كثيرا في مضامينه عن ما يعرف في الوسط الفلسطيني ب"البرنامج المرحلي" الذي تم إقراره بعد حرب تشرين الأول (1973)، ويقضي بإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع مع حق العودة، وبالاستناد إلى موازين القوى الدولية والإقليمية التي كانت سائدة آنذاك.

فمنذ تلك الفترة بات يمكن التأريخ لعودة بروز ظاهرة المستقلين في المجتمع الفلسطيني، وهي تشمل الأشخاص الذين يشتغلون في العمل العام، السياسي أو الثقافي أو المجتمعي، من دون ولاء ومن دون ارتباط بالفصائل أو بالكيانات السياسية الفلسطينية السائدة. وكما في أي مجتمع فإن هؤلاء لا يمثلون نسيجا سياسيا أو فكريا واحدا، إذ يمكن أن تجد بينهم كل التلاوين والتنويعات السياسية والفكرية والثقافية التي تشكّل وعي الفلسطينيين وثقافتهم. وبديهي أن هؤلاء ومن خلال نتاجاتهم وأنشطتهم المتنوعة باتوا يضطلعون بدور مهم في تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية وفي الارتقاء بوعي شعبهم ويتحملون مسؤولية خاصة بترميم الفجوات والتباينات الحاصلة في المجتمع الفلسطيني، الممزق بين دول متعددة، والخاضع لسيادات مختلفة، والذي تتجاذبه قوى فلسطينية متنافسة ومختلفة.
مشكلة هؤلاء انه لا يوجد منابر أو إطارات يعبرون فيها عن ذاتهم، وأن التفاعلات فيما بينهم ضعيفة ومتدنّية بحكم توزّع الفلسطينيين على بلدان عديدة، وبواقع فرض القوى الفصائلية هيمنتها على المجتمع الفلسطيني بالنظر لقدراتها العسكرية والمالية ونفوذها الإقليمي.
الآن، ومع التحول في البيئة السياسية العربية، الناجم عن الثورات الشبابية-الديمقراطية في عديد من البلدان العربية، وبالنظر للارتباط الوثيق بين الوضعين العربي والفلسطيني، يمكن الاستنتاج بأن هذا التغيير لا بد سيطال الوضع الفلسطيني، أيضا، وهو لا بد سيتمظهر عبر إعادة صياغة النظام الفلسطيني، وتأكيد حضور تمثيلات المجتمع المدني.

قد يهمّكم أيضا..
featured

غطرستنا هي مأساتنا

featured

امور تستحق التفكير... جيدًا

featured

لإسقاط سياسة الرفض، من قلب تل أبيب

featured

مسيرة العودة وحق العودة

featured

هاشم محاميد، يرحل بهدوء

featured

فقيد الصحافة العربية

featured

لم يكن أساسُها ديمقراطيّا ولن يدوم

featured

ذكرى الرفيق محمد طاطور ستبقى خالدة