كيف سأصوِّت في هذه الانتخابات..

single

"من خلال تصويتي سأحتج على الحرب القادمة، على العنصرية"



أنهيت هذا الصيف جريحا وأنا مقتنع بأنه عندما يلتئم هذا الجرح فإن تشويها كبيرا سيظل منغرسا في نفسي. هذا الصيف، نجوت مع عشرات آخرين، من اليهود والعرب، من حشود غاضبة ومحرضة زعقت شعارات "الموت للعرب" و"الموت لليساريين". حدث هذا في مدينتي حيفا بعدما أعلن رئيس البلدية على صفحته في الفيسبوك بأن المحتجين غير مرغوب بهم في مدينته..
أسبوعا تلو الآخر، قبل أن نتعرف على مصطلح "الجرف الصامد" دعونا إلى إيقاف العنف. القادة حرضوا وكانت هنالك اعتداءات جماعية في الشوارع. بعد ذلك انضمت إلى الجموع القنابل، الطائرات والمدرعات. تم ارتكاب مجزرة في غزة. نضبت قواي على النقاشات حول هذا المصطلح لأنه ليس لدي كلمات أخرى لوصف القتل الجماعي دون أي تمييز للأبرياء.
تجربتي بالانكشاف الذي لا يُطاق على الصور الكارثية، الوحشية والتهديدات التي تسلمناها أنا ورفاقي على أساس يومي، نزع الشرعية وكم الأفواه، الحقد، العنصرية والدم- قد تقزمت أمام العودة الصادمة إلى الحياة العادية التي سبقت الاشتعال الأخير. في يوم واحد، وبشكل مفاجئ توقفت الحرب وتوقعوا منا جميعا أن نعود إلى شؤوننا الصغيرة. عندها فقط بدأت تنفك عقدة كل من انعقد لسانه، ممن تم منعهم من الاحتجاج لأن هنالك من رأى بأنه من غير المناسب الاحتجاج خلال إطلاق النار.
صحيح أن الحرب في غزة انتهت، لكن العنف، العنصرية، والحقد بقوا، لكن مدى هذه الظواهر تصاعد ومنحت شرعية لهذه الجرائم- خلال الصمت المدوي لرئيس الحكومة وجوقة الفاشيين الذين يحيطونه.
وها نحن في قلب معركة انتخابية ليس فيها من يذكر ما كان هنا في الصيف. وقد انضم إلى الصمت أيضا من يطلبون بأن يستبدلوا الحكومة. هؤلاء، يصعب عليهم التميز عن نتنياهو كون كل الآخرين منحوا نتنياهو دعما –كل بطريقته، سواء كان ذلك من خلال الدعم المكشوف أو من خلال التنكر للاحتجاج.
في النقاش الاسرائيلي يدور الحديث عن "مواضيع": "الموضوع السياسي"، "الموضوع الاجتماعي" وما شابه. هذه التقسيمة الكاذبة تنتج إمكانية لإنتاج هرمية تحدد ما الذي سيكون على رأس سلم اهتماماتنا.
آن الأوان لتبديل النهج. علينا أن نصبو إلى أن يكون فوق كل هذه "المواضيع" بكل بساطة- الانسان. لن نتمكن من ذلك طالما أننا نمتنع عن التعامل مع الحقيقة التي لا تحتمل بأنه عما قريب سيكتمل 50 عاما على السيطرة العسكرية الاسرائيلية على ملايين البشر من خلال سلب حرياتهم الأساسية، طالما نسمح ببقاء نوعين من البشر: رجال يهود اشكناز، وكل الآخرين. هذه الدولة لن تكون ديمقراطية طالما تواصل التمسك برهائن لا مواطنة لهم ولن تكون تابعة لكل مواطنيها بشكل متساوـ  إن الأمر بهذه البساطة .
في الانتخابات السابقة كتبت وثيقة عللت فيها غيرتي على الحق بالتصويت السري. إنني ما زلت مقتنعا بأن الحق بالتصويت بسرية هو حق هام للديمقراطية التمثيلية التي يتنافس فيها المرشحون على ثقة المواطنين. لكن هذه المرة، يوجد لدي دافع أكبر من هذا المبدأ. إذ أنه في البرلمان الذي يحاولون فيه إلغاء المكانة الرسمية للغة العربية- ويتم في الشوارع الاعتداء على من يتحدث باللغة العربية، وبما أننا قد وصلنا إلى هذه النقطة السيئة التي نتواجد بها، وقبل انفجار الموجة القادمة من التشريعات المعادية للديمقراطية بلحظة ، قبل ملاحقة من يفكر بشكل مختلف بلحظة.. وليس فقط أنهم سيمنعون عنا الجوائز إنما انني أشعر بالحاجة إلى القول العاجل وبصوت واضح بأن علي أن استغل امتيازي بالتصويت للاحتجاج.
من خلال تصويتي سأحتج على الحرب القادمة، على العنصرية على نظام الحكم الاثني والاحتلال. سأحتج على الفاشية، على كمِّ الأفواه، على التمييز والعنصرية. سأحتج على العنف، على سفك الدماء والمس بالأبرياء. سأمنح صوتي من أجل المساواة التامة وغير المساومة بين كل المواطنين في كل مجالات الحياة. من أجل برنامج مدني وغير عسكري. سأمنح صوتي من أجل الحياة المشتركة والعدالة.
هنالك من يقولون لي بأن عليّ التصويت لمن يمثلون مصالحي ولذا علي التصويت للممثلين الذين يأتون من نفس الدوائر التي أنتمى إليها. أريد أن أذكرهم بأننا عندما سنصوت للكنيست القادمة ستكتمل 50 سنة على المسيرة بقيادة المناضل الامريكي مارتن لوثر كينغ. البيض الذين تظاهروا هناك لم يسألوا هل من يقودهم أسود أم أبيض. لقد كانوا ملتزمين من أجل المساواة، لأن هذا هو العدل.
في هذه الانتخابات سأكون مع السود. سأصوت للقائمة المشتركة.



*مخرج ومدرس للمسرح من حيفا

قد يهمّكم أيضا..
featured

متطلّبات المرحلة الراهنة

featured

وحدة دون انفصال.. "القائمة المشتركة"

featured

كلّ سُلالة تحمل في ذاتها بذور انحطاطها

featured

عنصرية الجموع

featured

في الخامسة والسبعين من عمره: ويبقى "عنتر" في الساحة خيال!

featured

"قانون إيمان" اليمين

featured

"ديمقراطية" في حالة طوارىء!