اجتياح عارم لا يعرف الحدود ولا يقف عند حد، ويعمل على تفكيك روابط وأواصر المحبة، الاخوة، الصداقة والتعامل الانساني، الادبي والاخلاقي بين الافراد في البيت الواحد، في الاسرة الواحدة، في المحيط الواحد وربما تمتد جذور هذا الاجتياح لتشمل شرائح ونواحي المجتمع بغالبيته.
فلا يخفى على أحد ما نراه ويراه الكثيرون من تغير واضح في العادات والتقاليد وفي النواهي والآداب التي يترتب على كل إنسان التعامل بموجبها والتمشي على منوالها. فقد نما وتربى الاجداد والآباء على احترام الغير وخاصة كبار القوم وكبار السن منهم، والامر هذه الايام أخذ في الانقلاب رأسًا على عقب وربما نتساءل عن سبب حدوث هذه الظاهرة وغيرها ولا من مجيب، فلا نجد اليوم احترامًا لهؤلاء كما يجب، ويبرز ذلك أكثر ما يبرز في المناسبات، فنرى التسابق بين الناس على أشده وخاصةً الناشئة أو أصحاب المراتب الاجتماعية والرسميّة والجماهرية في غالبيتهم يزاحمون الوجهاء والمشايخ ورجال الدين ومن أكبر منهم سنًا ومن جميع الطوائف ضاربين عرض الحائط بالآداب الاجتماعية والنظم والعادات والتقاليد التي نشأ عليها المرء، لماذا؟ لماذا؟ فيجب وبدون تردد احترام ومراعاة هذه الآداب.
وأكثر من ذلك وفي كثير من الاحيان الاب أو الام في طريقه الى فقدان كرامته أو منزلته في العائلة بسبب تصرف نفر من الابناء وعدم الاكتراث بما يقولون أو العمل بموجب توجيهاتهم الانسانية، فأين هؤلاء من القول، " ما رضاء الله إلا من رضاء الوالدين "، " أكرم أباك وأمك "، هذه الآداب لا شك أنه يتوجب مراعاتها والتمشي بموجبها.
نسمع ويسمع غيرنا ما يقوم به نفر من الشّباب وربما الشّابات من تصرفات غير لائقة وينعتون بعضهم بعضًا بصفات وكلمات نابيَّة قد يشمئز منها الضمير في غالب الاحيان أو بدون خجل وبازدراء للغير وعدم الاكتراث بما يقولون وقد لا ينتبهون بالمرّة لما يحيطهم من ملاحظات وانتقادات لمصلحتهم أولًا وآخرًا، وهم غير مبالين بذلك، أين آداب التعامل بينهم ؟ هل هي في إجازة! والجواب قد يجوز كذلك.
وعلى الغالب يسمع الجمهور والعابرة في شوارع هذه القرية أو تلك من يقود سيّارته في ساعة متأخرة ويظن ان الله سبحانه وتعالى على حد تفكيره طبعًا لم يخلق سواه، أو أن الباري عز وجل خصّه وتفرّغ من كل شيء في خلقه، ويُسمعك أصوات مسجل وربما بلغة أجنبية، يملأ الفضاء دون اكتراث بآداب الطريق وبآداب التّصرّف وبالاخلاقيّات واحترام مشاعر الآخرين، وما يدعو الى العجب أيضًا أنه هذا الشاب وسواه لا يفهم ماذا يسمع ويفهم فقط أنه يضج دون تفكير... فلماذا كل هذا ؟ أليس من الافضل احترام الآداب وإعطاء نموذجٍ للشباب المسؤول حتى يقلعوا عن كل هذا؟
وما يلاحظ أيضًا لدى نفر من الناس، ومن السائقين الناشئين، يقود سيارته وبسرعة فائقة داخل قريته وكأنه يركب طائرة وربما تكون سيارته المتواضعة غير مؤمّنة ولا سمح الله يقع في مشكلة عند وقوع حادث معين. والانكى من ذلك أن يصادف ساحة دوار معين فبدلًا من أن يمتثل الى إشارات المرور وقوانين السير، تراه يخالف ويقصّر المسافة ويتجاوز الدوار ليس بموجب القانون ولا كما تمليه عليه الشارات وبسرعة فائقة، هذه الظواهر متوفرة يوميًا وفي كل مكان تقريبًا.
هذه الظواهر السلبية هي مرض يفتك في المجتمع، فالحرية أيها الشّباب الناشئ لاتعني أن نزعج الغير، ولا نتصرف بما يتنافى والانظمة والقوانين، ولا أن تفعل ما تشاء ولو كان ذلك على حساب كرامة الغير، فالديمقراطية والحرية للفرد الواحد تنتهي عندما تبدأ حرية سواه، فمهلًا، مهلًا أيها المرء، حاسب نفسك وراجع اوراقكَ إذا تمكنت من ذلك لوجدت أن الامر ليس كذلك، وربما عدلت وأقلعت عن هذا التصرف وانصعت بالتالي بمبادراتك الى الآداب المعمول بها، عندها تكون أنت المبادر وأنت المقبول والمحترم لنفسك أولًا.
وأخيرًا لا بد من الاستذكار والتذكير بأن الانسان مهما جدّد وقاد أفخر أنواع السيّارات، ومهما علا وأرتفع في المراتب على اختلاف أنواعها، ومهما ظن أنه الوحيد في هذا الكون، ومهما تكبّر أو استهزأ بالغير، وكذلك مهما حصّل من علوم، ومهما قام من أعمال وظن أنه الاول والفريد من نوعه، كل هذا لا يمكن أن يجدي أن لم تكلّل الصفات المذكورة ونظيراتها بالآداب الاجتماعية والثقافية على اختلافها.
فهيّا معًا نعمل شيبًا وشبانًا، رجالًا ونساء مسؤولين من كل القطاعات للحفاظ بقدر الامكان على هذه الآداب لنُجنب معًا المجتمع استمرار طريقه الى الانحدار نحو الهاوية ورؤية أمورٍ لا تحمد عقباها.
(أبو سنان)
