حتى لا تقع فلسطين ضحية داخل التجاذبات بين المحور الأمريكي والمحور الإيراني

single

ألصراع القائم بين نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية من حيث جوهره ومدلوله ليس أبدًا صراعًا طائفيًّا أو مذهبًّا دينيًّا مع المحور الإمبريالي برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، بل هو صراع سياسي أولًا وقبل كل شيء هدفه الإستراتيجي الهيمنة لبسط نفوذ كل منهما في المنطقة خدمة لمصالح كل منهما الطبقية - الإقتصادية والإستراتيجية السياسية. فالإدارة الأمريكية ودوائر حلف الناتو العدواني تعلم علم اليقين أن برنامج إيران النووي ليس للأغراض العسكرية بل أهدافه سلمية لخدمة الدورة الإقتصادية والتطور الحضاري الإنساني في استغلال منجزات الثورة العلمية – التقنية بما فيها الطاقة النووية المخصّبة للعلاج الطبي ضد أمراض السرطان وللإستعاضة عن الكهرباء بالطاقة النووية في عدة مجالات إقتصادية. فالإدارة الأمريكية لا تريد أن تخرج إيران من هاوية البلدان النامية ضعيفة التطور الإقتصادي والتخلف الثقافي، والسبب الأهم من ذلك للصراع الأمريكي ضد إيران فإنه مزدوج المدلول، فمن جهة إستغلال المبالغة في تقييم القدرة النووية لإيران " كفزّاعة " خطرة جدّا تهدد الأمن والإستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط وعالميًّا وحتى إنها تهدد "مصالح الأمن القومي الأمريكي" ! واستغلال هذه المبالغة لبلورة وترسيخ تحالف إستراتيجي من الأنظمة العربية المدجنة أمريكيّا وتركيا وإسرائيل، ينشط هذا التحالف في خدمة المشروع الأمريكي الإستراتيجي بإقامة " سلام أمريكي – باكس أمريكانا " يخدم المصالح الأمريكية – الإسرائيلية ببلورة خطة تسوية سياسية إسرائيلية – فلسطينية – عربية لحل دائم ينتقص من الثوابت الوطنية غير القابلة للتصرف الفلسطينية والعربية، كما يخدم مصالح الإحتكارات عابرة القارات ومتعددة الجنسيات الأمريكية والأجنبية والإسرائيلية. ومن الجهة الثانية يعمل التحالف الأمريكي – الإسرائيلي – الصهيوني العالمي والحلف الأطلسي على مواجهة وضرب النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط وخارجها، والذي يهدد المصالح الإمبريالية الأمريكية وغير الأمريكية. ففي العقد الأخير إزداد النفوذ الإيراني الذي وصلت أذرع أخطبوطه لتشمل كلا من سوريا وحزب الله وحماس واليمن والسودان وداخل العراق المحتل وأفغانستان المحتلة وفي داخل باكستان وغيرها.
وحرصنا وتحزبنا لإنجاز الحق الوطني الإستراتيجي المركزي لشعبنا العربي الفلسطيني بالتحرر من نير الإحتلال الإستيطاني الكولونيالي الإسرائيلي وإقامة دولته المستقلة في حدود الرابع من حزيران السبعة والستين وعاصمتها القدس الشرقية وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين حسب قرارات الشرعية الدولية وخاصة القرار ( 194 )، حرصنا وتحزبنا للحق المشروع يجعلنا نناشد قيادة شعبنا ومن مختلف هويات الإنتماء العقائدية والفكرية والسياسية، أن لا تقع فلسطين وشعبها ضحية التجاذبات والصراعات الإقليمية الأمريكية والإيرانية. فموقع ودور شعبنا وقيادته تجنيد مختلف الأوساط العالمية والعربية والأوروبية والإسلامية في المعترك الكفاحي الفلسطيني من أجل التحرر والإستقلال الوطني ومواجهة وإفشال مختلف المخططات التآمرية التي ينسجها تحالف العدوان الإسرائيلي – الأمريكي. صحيح أنه " لا حياد في جهنم " وأنه لا يمكن للشعب الفلسطيني أن يفترش الرصيف في حالة عدوان إسرائيلي – أمريكي على إيران أو سوريا أو على حزب الله والمقاومة اللبنانية، بل الإدانة والوقوف ضد العدوان الغاشم.

 

* ألتحالف السوري – الإيراني

في الأسبوع الماضي برز على ساحة الصراع الإمبريالي الأمريكي – الإيراني حدثان هامان بارزان. الحدث الأول كان في بداية الأسبوع الماضي حيث قامت وزيرة الخارجية الأمريكية  هيلاري كلينتون بمهمة عمل من خلال جولة إلى دول الخليج، إلى المملكة العربية السعودية والكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها. والهدف من هذه الجولة هو تجنيد أنظمة دول الخليج المدجنة في القن الأمريكي في إستراتيجية تصعيد العقوبات والحصار الدوليين على إيران ووقف عملية التغلغل الإيراني في هذه البلدان. فما يقلق الإدارة الأمريكية أن يكون رد فعل إيران على تصعيد إجراءات الحصار الأمريكي بوقف إنتاج وتصدير النفط والغاز الطبيعي إلى السوق العالمية وإلى أوروبا مما سيؤدي إلى رفع سعر برميل النفط بشكل جنوني.  فنائب القائد العام لحرس الثورة الإيرانية حسين سلامة هدد الولايات المتحدة الأمريكية والغرب أنهم إذا صعّدوا العقوبات الإقتصادية على إيران ( أنظر – يديعوت أحرونوت 2.3.10) " فإن إيران ستوقف ضخ النفط، وسيواجه العالم كله خبطة قوية وأوروبا ستعاني من البرد القارس وتتجمد " فإيران تحتل المكان الثاني بعد السعودية في إنتاج وتصدير النفط، والمحل الثالث بعد روسيا والسعودية في تصدير الغاز الطبيعي. فإذا كانت السعودية تضخ وتصدر ( 10,8 ) مليون برميل يوميا فإن إيران تضخ وتصدر ( 4,2 ) مليون برميل نفط يوميا والكويت ( 2,8 ) مليون برميل يوميا ودولة الإمارات العربية المتحدة ( 3,1 ) مليون برميل يوميا. وقد جاءت تهديدات نائب قائد حرس الثورة الإيرانية عشية اجتماع المعتمدين الإقتصاديين في الإتحاد الأوروبي لأخذ قرار بشأن حجم التصعيد لإجراءات العقوبات على إيران. وهيلاري كلنتون أرادت من وراء زيارتها لبلدان الخليج ضمان موقف دول مجلس التعاون الخليجي الذي تختزن أراضي بلدانه حوالي خمسين في المئة من احتياطي النفط المكتشف عالميا، وذلك بهدف تقزيم وتخفيض أي إجراء إيراني لإستغلال النفط كسلاح في المعركة. كما استهدفت كلنتون بلورة هذا المحور الخليجي بقيادة السعودية – قطر للتأثير على موقف سوريا الحليف الإستراتيجي لإيران. ولهذا ليس من وليد الصدفة التصريح الذي أطلقته الوزيرة كلينتون من الطائرة التي كانت تقلها في طريقها إلى بلدان الخليج. فبشكل وقح وسافر هددت كلينتون النظام السوري والرئيس بشار الأسد من مغبة العلاقات الإستراتيجية السورية مع إيران وطالبت بلغة التهديد المبطن بإبتعاد سوريا عن إيران وايقاف التقارب بينهما الذي لا تنظر إليه إدارة أوباما بعين الرضى. إنه تدخل فظ في الشأن الداخلي السوري يندرج في إطار قرع طبول الحرب لشن عدوان إسرائيلي – أمريكي على سوريا أو حزب الله أو حماس أو إيران. ولم تخنّا الذاكرة لننسى تصريح وزير خارجية حكومة الإحتلال والإستيطان المأفون العنصري أفيغدور ليبرمان الذي هدد ليس فقط الإطاحة بالنظام السوري بل قطف رأس الرئيس السوري بشار الأسد وأبناء عائلته.
أما الحدث البارز الثاني فكان في العاصمة السورية دمشق يوم الخميس من الأسبوع الماضي حين عقد " عشاء عمل" بين الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ورئيس حزب الله اللبناني الشيخ حسن نصر الله. كما التقى الرئيس الإيراني بالمسؤولين من قادة الفصائل الفلسطينية الذين يقيمون في سوريا. لم ينشر أي شيء عن تفاصيل ما دار من مداولات بين المجتمعين، اللهم سوى أن المضيف السوري أكرم وفادتهم بوجبة عشاء دسمة وفاخرة وبحلويات شامية مشهورة عالميا. ولكن برأينا أن مجرد عقد هذا اللقاء بعد أقل من أسبوع على جولة الوزيرة الأمريكية هيلاري كلينتون في منطقة الخليج يقول الشيء الكثير. فأمام محور الدواجن الخليجية التي تقاقي في القن الأمريكي يتمحور ويتعزز المحور الوطني المناهض للهيمنة  الأمريكية – الإسرائيلية في المنطقة. وقد وجد الرئيس السوري بشار الأسد أنه من المناسب وبحضور الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد " أن يرد الصاع صاعين " لرسولة الإستعمار الأمريكي الجديد هيلاري كلينتون. فقد أعلن الأسد ليس قطع العلاقة أو إضعافها تدريجيا مع إيران بل تعزيز وتطوير التحالف الإستراتيجي المبدئي بين سوريا وإيران وحركات المقاومة الوطنية. وبهذا التصريح أيضًا قد أكد الرئيس السوري بشار الأسد تمسكه بنهجه الوطني المناهض لعملية التدجين الأمريكية ورفض مختلف أساليب الإرهاب الإسرائيلية – الأمريكية ضد النظام السوري وأن سوريا الموقف لن تباع في المزاد العلني في سوق الدلالين الأمريكي بواسطة " المساعدة " الإمبريالية الأمريكية لشراء الضمائر والمواقف.
أكدنا في بداية هذه المعالجة وفي سياقها، كما أكدنا مرارا حقيقة المصالح الإيرانية من وراء النشاط الإيراني في المنطقة. وأنه رغم تأكيدنا هذا ورغم إدراكنا لطابع هوية النظام الإيراني الذي يتناقض تناقضا صارخا مع طابع هويتنا الفكرية والسياسية والإجتماعية والثقافية، رغم إدراكنا هذا فإننا لا نتأتئ في موقفنا الواضح أننا مع تحالف القوى المناهضة للهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية ولمخططاتهم العدوانية التآمرية ضد مصالح شعوب وبلدان المنطقة. كما أن إدانتنا لأي عدوان جديد يفجّره تحالف الشر الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران أو سوريا أو حركات المقاومة الوطنية لا يعني تجاهل وطمس انتقادات لا مفر من قولها للإسهام في دفع عجلة انطلاقة جدية في مواجهة البرامج العدوانية الإسرائيلية – الإمريكية. فمن الملاحظات الإنتقادية نود التركيز على ما يلي:

 


* أولاً: أن لا يتجاهل هذا التحالف الإيراني – السوري أن القضية الفلسطينية تبقى القضية المحورية والمركزية على ساحة الصراع الإسرائيلي – العربي والصراع في الشرق الأوسط، وأنه لا تسوية عادلة لضمان السلام والأمن والإستقرار في الشرق الأوسط بدون حل ينصف الشعب الفلسطيني حقه الوطني في الدولة والقدس والعودة – كما أنه يجلب الضرر الكبير والأذى للقضية الوطنية الفلسطينية وللنضال من أجل التحرر والإستقلال الوطني إذا توجه هذا التحالف إلى القضية الفلسطينية بمنظار الإنتقائية، بدعم أحد أو بعض القيادات الفلسطينية ضد فصائل وقوى فلسطينية أخرى، بدعم حماس مثلًا ضد فتح والسلطة الفلسطينية. فقوة الحق الفلسطيني يجب أن تكون مشحونة بوحدة صفوفه الكفاحية وبتضامن أنصار هذه الحقوق.
* ثانيًا: أن لا يدفع الحماس الإيراني لمواجهة جرائم العدوانية الإسرائيلية بالنظام السوري وفي وقت لا يكون فيه هذا النظام جاهزًا للمواجهة، إلى مغامرة عسكرية ضد إسرائيل أو التسبب بإستفزازات إسرائيلية تستدرج سوريا إلى مواجهة غير مستعدة لها. فحكمة الموقف ودراسته بجدية يوفر على الشعب السوري الشقيق كارثة جديدة قد يرتكبها المجرمون.
* ثالثًا: ألتقدمية لأي نظام أو إنسان مقياس ومعيار نسبي ولا يكفي أن تكون تقدميا في الموقف من مناهضة العدوانية الأمريكية – الإسرائيلية، ولكنها تقدمية غير متكاملة إذا لم يسندها إشاعة الدمقراطية وحرية التعبير كوسيلة وكسلاح لتجنيد أوسع الجماهير في المعترك الكفاحي والتي لها مصلحة في مقاومة الإمبريالية والعدوانية الإسرائيلية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الهجمة على الحيز الديمقراطي في جهاز التعليم - التحدي التربوي

featured

ذكرى 15 أيار والإضراب الذي كان..!

featured

ما بين إنكارين

featured

سلطاتنا المحلية... الى اين ؟!

featured

معسكرات من الخيام أم صحوة حقيقية؟

featured

النقد المجتمعي والنسوي للصلحة العربية

featured

حياتكن على المحك

featured

اللوبي الاسرائيلي (3-3)