اللوبي الاسرائيلي (3-3)

single

كانت بعض الكليات وبعض الاساتذة مستهدفين وملاحقين من قبل اللوبي. وكانت جامعة كولومبيا مستهدفة بشكل خاص. وبالذات الكاتب والناقد الادبي البارز المرحوم ادوارد سعيد. لقد صرح جوناتان كول العميد السابق للجامعة: " كانت كل مقولة او تصريح بدعم حق  الشعب الفلسطيني من قبل سعيد، تجر العديد من الرسائل الالكترونية، والمقالات في الصحف، والنداءات العلنية في شجب ادوارد سعيد وتغريمه". نفس المعاملة لاقت الجامعة عندما استدعت المؤرخ رشيد الخالدي للتدريس فيها. في سنة 2004 اصدرت منظمة تابعة للوبي باسم " مشروع ديفيد"، اصدرت فيلما، فيه اتهام لكلية دراسات الشرق الاوسط، في جامعة كولومبيا، بانها وكوادرها لاساميّة، وانها كانت تهدد الطلاب اليهود. اثار ذلك ضجة اعلامية. اقامت الجامعة لجنة تحقيق، الشيء الوحيد الذي وجدته اللجنة يستحق الذكر، هو ان احد المدرسين كان في جوابه لسؤال احد الطلاب نبرة من الغضب البسيط. وعلى العكس فقد وجدت اللجنة ان بعض اساتذة الكلية، هم من يتعرضون للملاحقة.
إن اهم ما في القضية على مستوى الجامعات، هو ان اللوبي يحاول تمرير قوانين فدرالية لرقابة ما يقوله الاساتذة في الجامعات، فان وجد ما هو " عدائي لاسرائيل" في احدى الجامعات، تطالب هذه القوانين، بمنع المعونات الفدرالية عن الجامعة المدانة" بالعداء لاسرائيل".
من غير الممكن استكمال الحديث عن اللوبي الاسرائيلي، دون التعرض الى السلاح الاكثر فاعلية لديه، الا وهو " تهمة اللا-سامية". اي انسان ينتقد الافعال الاسرائيلية، او يجادل ان للوبي الاسرائيلي تأثيرا على سياسة امريكا في الشرق الوسط- مع ان اللوبي نفسه يفتخر بهذا الانجاز- سيعرض نفسه لتهمة معادات السامية.

في خريف 2001، اراد بوش استرضاء بعض زعماء العالم العربي والاسلامي، كي يتمكن من انشاء حلف لمحاربة "الارهاب". طلب بوش من الحكومة الاسرائيلية التوقف عن الاستيطان وحل القضية الفلسطينية. وطلب من شارون ان يسمح لشمعون بيرس بلقاء عرفات. فما كان من شارون الا ان استفز بوش بقوله انك تريد استرضاء الفلسطينيين على حسابنا، وان اسرائيل لا تقبل ان تكون تشيكوسلوفاكيا ثانية، نسبة الى اتفاق ميونخ وضم اراض تشيكية الى المانيا لتفادي احتلالها، ولتفادي المواجهة مع دول التحالف. غضب بوش لتشبيهه بتشامبرلين.( وزير خارجية بريطانيا آنذاك ومدبر اتفاق ميونخ)
استنفر اللوبي للعمل على صعيد الكونجرس وقام 89 عضوا في مجلس الشيوخ ( العدد الكامل 100) بكتابة رسالة الى بوش يشيدون بموقفه الرافض للقاء عرفات، وبتفهم الموقف الاسرائيلي الذي ينبغي ان ينظر اليه كحليف لمحاربة الارهاب، وضرورة الدعم لاسرائيل في الصراع الاسرائيلي الفلسطيني. فعادت العلاقات وكأن شيئا لم يكن.
عاد "الخصام" من جديد في ابريل 2002، عندما اجتاحت القوات الاسرائيلية مدن الضفة الغربية فيما سُمّيَ " الدرع الواقي". خاف بوش من خطر تصدع الحلف، مع الدول العربية والاسلامية لمحاربة الارهاب. طلب من شارون ان ينسحب من مدن الضفة الغربية حالا، وقالت كوندوليسا رايس؛ مستشارة بوش آنذاك لشؤون الامن القومي، ان الانسحاب حالا، يعني الانسحاب حالا. وارِسل كولين بأول الى الشرق الاوسط للضغط على اسرائيل للانسحاب وبدء المفاوضات لحل النزاع. هبت جيوش اللوبي للنجدة، تولى قسم منهم الضغط على كولين باوِل من ناحية، حيث اتهمه نشطاء اللوبي، بالخلط بين الارهابيين ومحاربي الارهاب. وتولى فريق آخر الضغط على بوش. بعد اسبوع فقط من تلك العاصفة في فنجان، اعلن بوش ان شارون سحب قواته من مدن الضفة الغربية وانه رجل سلام. وعادت الامور "صافي يا لبن". بل اكثر من ذلك، حيث اتخذ قراران في الكونجرس في الخامس من مايو، لدعم اسرائيل.ففي مجلس الشيوخ اتخذ القرار بتصويت 94 مع مقابل 2 ضد، وفي مجلس النواب 352 مع القرار و 21 ضده. وقد نص القرار ان الكونجرس يتضامن مع اسرائيل، حيث تواجه الدولتان حربا واحدة على الارهاب. كما ادانوا وقوف عرفات الى جانب الارهاب. بعد اسبوعين عادت لجنة امريكية لتقصي الحقائق من الاراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تعامت عن ما تعرض له الفلسطينيون من قتل وحصار، واوصت ان على شارون عدم الخنوع لاي ضغط من امريكا لقبول الحوار مع عرفات!!! اذا كان هذا لا يكفي "كقصاص" للعدوان الاسرائيلي على الفلسطينيين، فقد قررت لجنة خاصة في 9 مايو، منح اسرائيل قيمة 200 مليون دولار لمساعدتها في الحرب على " الارهاب الفلسطيني".
 السبب الواضح، لهذا النجاح للسياسة الاسرائيلية، هو ليس مهارة شارون ولا تسامح بوش مع  دولة اسرائيل. السبب هو وجود اللوبي الاسرائيلي، وتأثيره على السياسة الخارجية الامريكية.
( للتذكير يمكن الاستشهاد بطلب الرئيس اوباما بتجميد الاستيطان، وكيف انه اكد ان تجميد الاستيطان يعني تجميد الاستيطان. والنتيجة كانت لملمة اوباما لذيله والتراجع، ليس لانه لم ينو تجميد الاستيطان، ولا لانه لا يعلم ان هذه السياسة، هي العائق الحقيقي للتوصل الى سلام دائم. كما ان تراجعه لا يحسب حنكة ودهاء من نتنياهو، وانما هو ضغط اللوبي الاسرائيلي وتأثيره.ح.م)
لا ينحصر دعم اللوبي لاسرائيل، فقط بدعم سياستها التوسعية والعدوانية على حساب الشعب الفلسطيني والدول العربية. بل يتطلع اللوبي، وبالتنسيق مع حكام اسرائيل، الى مساعدتها بفرض سيطرتها على منطقة الشرق الاوسط. وهذا ما يقصد، عند الحديث عن بناء شرق اوسط جديد.
اما العدوان على العراق، وما خلفه من دمار لهذا البلد العريق، وازهاق ارواح اكثر من مليون عراقي وتشريد الملايين، فلم يكن الضغط من قبل اسرائيل واللوبي على الادارة الامريكية السبب الوحيد لخيار الحرب على العراق، ولكنه كان السبب الجوهري. حسب فيليب زليكوف؛ احد مستشاري بوش في لجنة الامن القومي ورئيس طاقم لجنة احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حيث صرح في اجتماع في جامعة فرجينيا بعد سنة على احتلال العراق، ان التهديد على امن امريكا غير المعلن من العراق، هو ليس تهديدا لامريكا، الا بقدر ما يهدد امن اسرائيل، واضاف ان الحكومة الامريكية، لا تريد التشديد على ذلك، لان هذه السلعة غير مرغوب في ترويجها.
من المعروف ان العلاقة بين المخابرات الاسرائيلية والامريكية، وطيدة جدا، ويعترف كثير من الساسة في امريكا وخارجها، كيف ان امريكا استقت المعلومات عن اسلحة الدمار الشامل في العراق، من المخابرات الاسرائيلية، واخذت تروّج لها، دون اللجوء لمراجعتها. لقد اظهر الساسة الاسرائيليون امتعاضهم الشديد، حين ابدى بوش نيته بالسعي لاستصدار قرار من مجلس الامن، يسمح لامريكا بالهجوم على العراق. هذا وقد ابدى الاسرائيليون امتعاضا اشدّ، حينما وافق صدّام حسين، على السماح لمراقبي الهيئة الدولية لمنع انتشار اسلحة الدمار الشامل، من العودة للعراق. " ان الحملة على صدام هي ضرورة قصوى. الرقابة الدولية والمراقبون ينفعون مع اناس شرفاء، اما الخسيسون، فلا تنفع معهم الرقابة ولا المراقبون". هذا ما صر ّح به شمعون بيرس للصحفيين في سبتمبر 2002. بعد هذا تلت عدة تصريحات ومقالات من قادة اسرائيليين يحثون على التسرع بالهجوم على العراق. كثير من الساسة والصحفيين رأوا، كيف ان اسرائيل قيادة وشعبا، كانت متحمسة لاحتلال العراق، ولم يظهروا اي نوع من القبول  بحل سلمي للقضية، حتى ان اصدقاءهم في امريكا، طلبوا منهم ان يخفضوا من شدة حماسهم للمعركة، لكي لا يبدو ان الحرب تقام نيابة عن اسرائيل. من الخطأ الاعتقاد ان اليهود في امريكا كلهم كانوا مع الحرب على العراق، فحسب استطلاع مركز بيو الامريكي 52% من اليهود الامريكان كانوا مع الحرب، مقابل 62% في اوساط الاغيار في امريكا. لكن كما هو معروف، فان من يقرر هو الجماعات المتطرفة في اللوبي، مع الاوساط المتشددة من المحافظين والمسيحيين الصهاينة.
لقد قرر المحافظون الجدد وحلفاؤهم المتشددون في اللوبي التخلص من صدام عندما بعثوا برسالتين يحثون فيهما الرئيس كلينتون التخلص من صدام سنة 1998. من بين هؤلاء إليوت ابرامز، جون بولتون، دوجلاس فييث، ويليام كريستول، برنارد لويس، دونالد رامسفيلد، ريتشارد فيرلي، وباول وولفوفيتش. لم يكن من الصعب اقناع كلينتون بضرورة التخلص من صدام حسين، الا ان الصعوبة كانت في الترويج والتبرير للقيام بالحرب. وكانت هذه المحاولات  صعبة ايضا في بداية فترة بوش الرئاسية. كانت هناك حاجة  لاقناع الرأي الامريكي والعالمي، باللجوء للحرب للاطاحة بصدام حسين. وجاءت المساعدة مع هجوم القاعدة على المركز التجاري الامريكي والبنتاجون. تلك الاحداث اعطت الفرصة لبوش وديك تشيني، للترويج لضربة وقائية واحتلال العراق،" بؤرة الأرهاب واسلحة الدمار الشامل".
من وجهة النظر الاسرائيلية، بشّر سقوط نظام صدام حسين بمستقبل باهر، حيث توقعوا سقوط الانظمة المعادية لاسرائيل واحدة  تلو الاخرى، وحسب لعبة الدومينو، واستبشروا بنشوء الشرق الاوسط  الجديد، لتصول به اسرائيل وتجول دون منازع. لقد كتب ألوف بِن، في هآرتس في 17 فبراير 2003: "ان قادة الجيش الاسرائيلي والمقربين من شارون، امثال مستشاره للشؤون الامنية – إفراييم هلييفي، رسموا صورة ورديّة لاسرائيل بعد الحرب. بعد سقوط صدام، ستنهار الانظمة المعادية لاسرائيل. ومع اختفاء تلك الانظمة سينتهي الارهاب واسلحة الدمار الشامل".
وفعلا بعد سقوط بغداد بدأ التحذير من مخاطر سوريا، وتغذية المخابرات الامريكية بوجود اسلحة الدمار الشامل السورية الخ...بالتزامن بدأ اعضاء وانصار اللوبي الترويج لتشديد الحصار على سوريا، حيث صرح وولفوفيتش انه ينبغي تغيير النظام في سوريا. وصرح ريتشارد فيرلي لاحد الصحفيين ان الرسالة ينبغي ان تكون قصيرة، من كلمتين " دورك الآن" وهكذا توالت التصريحات بالمعنى نفسه. ثم جاء القرار بالزام سوريا بالانسحاب من لبنان.
كان الحماس لشن حرب على سوريا بين المحافظين الجدد والمتشددين في اللوبي. الا ان المخابرات المركزية والادارة الامريكية لم تتحمسا للامر. اولا لكون  سوريا ليس فقط، ساعدت في المعلومات لملاحقة القاعدة، وكشفت نية القاعدة في الهجوم على قوات امريكية في الخليج، وساعدت في ايصال  محققي ال سي-آي-أي الى موقع محمد الزمار، المتهم في تجنيد الطيارين لاحداث سبتمبر.ثانيا: لم تكن العلاقات بين سوريا وامريكا سيئة قبل الهجوم على العراق. ولم تشكل سوريا تهديدا امنيا لامريكا، فالهجوم عليها بهذا التوقيت، يجعل امريكا، تبدو كالثور الهائج، الذي لا يرتوي من دماء العرب. ثالثا: لو شعرت سوريا انها مهددة، فلديها اوراق تلعبها، وهي دعم المقاومة للاحتلال الامريكي في العراق. حيث كانت  امريكا تتمرغ في الوحل العراقي بشكل لا تحسد عليه. وهكذا،نظرا لعدم وجود وحدة رأي في امريكا بالنسبة لشن حرب على سوريا- المتحمسون: الكونجرس بواسطة ضغط اللوبي والمحافظين الجدد من جهة. المعارضون: الادارة الامريكية والمخابرات المركزية من جهة اخرى. لذلك لم تجرِ الرياح حسب رغبة اسرائيل واللوبي وحلفائة.
إن تأثير اللوبي وحرفه لسياسة الولايات في الاتجاه الذي يريد، اثبت على المدى البعيد، انه كان  ضارا،  بصورة غير ارادية  لامريكا واسرائيل في آن واحد. لقد نمّى الانحياز التلقائي للمقف الاسرائيلي مشاعر الكراهية لامريكا في العالم العربي والاسلامي، وشوّه سمعة الولايات المتحدة في دول عديدة اخرى. لقد اعاق عمل اللوبي امكانية ضغط امريكا على اسرائيل للتوصل الى حل سلام في المنطقة، هذا الوضع سهّل على الاسلاميين الاصوليين التجند لصفوفهم وعزز قوة الاسلام المتطرف. ان التعامي عن تنمية اسرائيل لمشروعها النووي، والتعامي عن انتهاكاتها لحقوق الانسان، جعل سعي الولايات المتحدة لمنع انتشار الاسلحة النووية ، ودعوتها للالتزام باحترام حقوق الانسان، تبدو زائفة ومزدوجة المعايير. كما صعب مهمة الولايات المتحدة لنشر اسس الاصلاح السياسي واسس الديمقراطية.
لقد قاد اللوبي الولايات المتحدة الى حرب مدمّرة على العراق، فصعّب عليها مهمة احتواء الدول المارقة.اجبر اللوبي امريكا، لدعم حرب غير مشروعة على لبنان، فكانت نتائج هذه الحملة تقوية كل من حزب الله ، سوريا وايران، وتقوية العلاقة بينها، كما وزاد في تشويه سمعة امريكا عالميا. لم يكن اللوبي هو العامل الوحيد في تلك التطورات المذكورة ، ولكنة كان العامل الاساسي. لذلك لا يمكن القول ان امريكا ستتخلص من كل مشاكلها في الشرق الاوسط بغياب اللوبي، ولكن وضعها سيكون اسهل بكثير، وانها ستكون قادرة على مراجعة وتغيير سياستها في الشرق الاوسط بما يتناسب مع مصالحها الحقيقية.
كما ان الدعم الامريكي غير المشروط، مكّن اسرائيل من التمادي في تنفيذ مخططاتها للتوسع والاستيطان، وشجعها على تفويت فُرص كثيرة اتيحت للتسوية السلمية.
فما هي آفاق التغيير لهذه التطورات السلبية؟
أولا: اعادة الدراسة لتحديد المصالح الامريكية في المنطقة، والعمل على حماية هذه المصالح. وفي هذا السياق فان مصلحة امريكا الاستراتيجية، لا تتطابق مع مصالح اسرائيل. وكون اسرائيل دولة متطورة يمكنها الاعتماد على نفسها في زيادة تطورها، وحفظ امنها، يسقط من الحساب، الدافع الاخلاقي لدعم اسرائيل غير المشروط. ولذلك، لا ينبغي ان يتعدى دور الولايات المتحدة في التعامل مع اسرائيل، دورها في التعامل مع اي دولة اخرى في العالم.
ثانيا: انهاء الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، على اساس حل الدولتين، بحيث يضمن للفلسطينيين انشاء دولة قابلة للحياة، وحل قضية اللاجئين حلا عادلا. والتوصل الى حل جميع النزاعات مع دول المنطقة.
ثالثا: العمل على التحديد من صلاحيات اللوبي. والسماح في النقاش الحضاري والصريح حول عمل  وتأثير اللوبي، بما لا يتعارض مع المصالح القومية الامريكية. ضمان امن اسرائيل هو احد تلك المصالح ( من منطلق اخلاقي) ولكن استمرار وجودها في الاراضي المحتلة ليس مصلحة امريكية. الاعلام الصريح والتغطية الاعلامية سيكشف عن كل المشاكل التي تخلقها هذه " العلاقة الخاصة " بين اسرائيل وامريكا، وسيمكن امريكا من اتخاذ سياسات في المنطقة تتماشى مع المصالح الوطنية الامريكية ومصالح شعوب المنطقة وبضمنها مصلحة اسرائيل.

قد يهمّكم أيضا..
featured

هذا هو «النصر الإلهي» حقّاً: وقفة في مديح العراق

featured

تعقيبات مختصرة جدا

featured

فرع حزبنا في عرعرة عارة يحتفل بعيده الـ 36

featured

امريكا وانظمة الخليج لم ولن ينتصروا على سوريا

featured

منبر سعودي لعدوانية ليبرمان!

featured

بير الصفا يدحض قانون النكبة

featured

الجميع خُلقوا مُتساوين