يرافق تطور المجتمعات ازديادٌ في الوعي بالنسبة لكل ما يتعلّق بالهوية الجنسية ولوجود أقليّات جنسيّة. أكبر هذه الأقليّات هي أقليّة المثليين جنسيّا، المؤلفة من الرجال اللوطيين والنساء السحاقيات. هذه الأقلية لا تزال تعاني من العنصرية والاضطهاد، والكثير من أفرادها يحاولون الانتحار بسبب نظرة المجتمع ومعاملته الجائرة لهم، وكذلك فإن الكثيرين منهم يفضّلون إخفاء هويتهم الجنسيّة و"البقاء في الخزانة".
أذكر من أيامي في المدرسة أن كلمة "هومو" كانت بمثابة مسبّة وإهانة، فإذا ما أراد طالب ما أن يهين طالبًا آخر فإنه كان يصيح "يا هومو"، وأذكر أن إشاعةً ما انتشرت في المدرسة بأن طالبات من بنات صفي كن مثليّات، وأن ذلك أدّى بالجميع إلى احتقارهن وكأنهن سارقات أو قاتلات. والحقيقة هي أنّ مجتمعنا لم يتغيّر كثيرًا منذ تلك الأيام، فهو لا يزال يعامل أفراد هذه الأقلية بقسوة وبكراهية ويعتبرهم وكأنهم أناس يعانون من خلل نفسيّ. ولأمر لا ينطبق فقط على مجتمعنا العربي. أحيانًا نصادف ملابس طبع عليها "الله يكره اللوطيين"، ونرى نظرات الكراهية من المتحفظين ضد أفراد هذه المجموعة، وفي الحالات القصوى يصل الأمر حدّ القتل، كما حدث في تل أبيب قبل عدة أشهر حيث تعرّض لوطيون شبّان وشابّات من المثليين جنسيّا لاعتداء دموي.
قبل عدة أسابيع شاهدت مع زوجتي فيلمًا عن حقوق المثليين جنسيًّا في أمريكا. الفيلم، بعنوان "ميلك"، يحكي قصة "هارفي ميلك" وهو أحد السياسيين اللوطيين في أمريكا والذي حقق انجازات هامّة بالنسبة لحقوق المثليين جنسيًّا، أهمها الحق في الزواج ممن هم مثلهم، والذي قُتل في النهاية على يد أحد كارهي اللوطيين. لقد دعاني هذا الفيلم إلى التفكير مجددًا بهذه الأقلية وبالحاجة لدعم الموقف الصائب الذي يرى بأن من حقها أن تندمج في المجتمع وأن تحصِّل حقوقها، وبأن البشر جميعًا قد خُلقوا متساوين، بغض النظر عن ميولهم الجنسية، وبأنه يجب التخلص من العنصرية والكراهية التي توَّجّه نحو المثليين جنسيًّا باسم الدين والحفاظ على القيم الاجتماعية المتحجّرة.
وفي رأيي فإن الأوان قد آن للتحرر من القيم التي ترى بحتميّة العلاقة بين الحبّ الجنسي وبين تطور علاقة تؤدي إلى إنجاب الأطفال، وأن نتقبل بدلاً عن ذلك موقفًا أكثر مرونة، يرى أنه توجد شرعيّة تامّة لأي علاقة حبّ، حتّى وإن لم توصل، في نهاية الطريق، إلى إنجاب الأطفال. لقد وصل المجتمع البشري، في ظنّي، إلى مرحلة من التطور تمكنه بأن يسمح بوجود حب جنسي بهدف المتعة في الحياة مع الآخر، وذلك من دون أن يؤدي الأمر إلى الإنجاب والتكاثر. علينا أن ننظر إلى هذا النوع من الحب الجنسي، ومن ضمنه ذلك الموجّه نحو آخر من نفس الجنس، بصفته ظاهرة حيّة وإنسانية مقبولة، يمكنها التعايش، جنبًا إلى جنب، مع الحب الجنسي "المقبول" بين الذكر والأنثى. في عالم مكتظ بالبشر ليس هنالك حاجة ملحّة لإنجاب الأطفال وزيادة عدد سكان الكرة الأرضية وهنالك مكان لممارسة أنواع أخرى من الحب لا تؤدي إلى الإنجاب.
لقد طورت المجتمعات المتحضرة والليبرالية قيمة ايجابيّة هامّة تتمثّل بتقبّلها للأقليات ذات الشذوذ الجنسي، ونحن نرى الكثير من الفنانين والفنّانات المثليين جنسيّا يخرجون من الخزانة ويُعلنون عن هويتهم الجنسية. في هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن هذه القيم ليست غريبة على حضارتنا العربيّة، التي كانت من الحضارات الرائدة، في عهد تطور الدولة الإسلامية، في تقبلها لذوي الميول الجنسية المُختلفة، والشاعر أبو نوّاس ومكانته الهامة في تراثنا هما خير دليل على ما أقول.
هنا، في مجتمعنا العربي الفلسطيني في إسرائيل توجد جمعيات تناضل من أجل حقوق المثليين جنسيّا، مثل جمعية "أصوات" للنساء الفلسطينيات السحاقيات. علينا أن نساعد هذه الجمعيّة ومثيلاتها لكي تحصل على الدعم الذي يمكّنها من مواصلة نشاطها وتطويره.
فرقة الشاطئ الحيفاوية، في أغنيتها "رَحْ نبني مدينة"، تغنّي: "رح نبني مدينة، لا فيها اتّكال، لا عُقد جنسية، لا كبت وحرمان". تذكرت هذا البيت من الأغنية بعد أن انتهيت من مشاهدة الفيلم "ميلك"، ثم قمت وحضّرت فنجان قهوة وشربت سيجارة وفهمت أننا جميعنا متساوون وأنه لا مبرر لكراهية أي شخص بسبب هويته الجنسيّة وأن كلمة "هومو" ليست مسبّة، فهوية الفرد الجنسية تستحق أن تحظى بالشرعيّة والاحترام مهما كان مدى اختلافها.
