صباح الخير يا بير الصفا، يا ذاكرتنا الخصبة،
لا تؤاخذني لأني أهمس لك على غير عادتي فالأمور تشقلبت وتعنصرت وتَشَوْفَنَتْ وفقّست أبرتهايد ولولا الحياء لخاطبتك بلغة الصم البكم وقلت لك: تعال خيّا نحكي بالْوَما.
في نهاية الأسبوع الفائت ومثل الحراميّة في الليل شرّع برلمان واحة الديمقراطية في صحراء الاستبداد العربيّة قانونا أخو شلّيتة اسمه قانون النكبة بناءً على طلب وجه الحكومة العصري ليبرمان- لنداو م.ض وهذا يعني بالعربي الأندبوري "نكبة يوك" فأبناء عمومتنا شعب الله المختار لا يمكن أن يفعلوها ومن يقل أو يدّعي بأنّهم هدموا في العام 1948 خمسمائة قرية عربية فلسطينيّة وطردوا أهلها إلى سوريا ولبنان والأردن ومصر فهو يفتري فريةً دمويّة عليهم وهو لا ساميّ بالبنط العريض وأما من يزعم بأنّ قادة وساسة شعب الله المختار وجيشه الحضاري الأخلاقي قد هجّروا السكان العرب من مدنهم وبيوتهم في يافا وحيفا وعكا واللد والرملة وبيسان وطبريا وصفد والطنطورة وقيسارية فهو بلا شك قد تعلّم وتربى في ديوان الحاج أمين الحسيني فالشعب اليهودي الشعب الأرقى والأفضل والأحسن في العالم الذي ذاق المر وعرف البوغرامات في أوروبا لا يمكن أن يفعل ذلك للاخرين كما أنّ هذه المدن كانت خالية من العرب والحديث عن عرب كانوا يسكنون فيها خيال شرقي فلو سكنها عرب من قبل لتركوا فيها حضارة ومدنيّة بينما عاد أبناء اسرائيل من الشتات الى أرض الميعاد ولم يجدوا سوى مستنقعات وخراب.
أراك يا بير الصفا مدهوشا. عيناك تبحلقان وفمك فاغر فعلى رسلك. لا تذكر هؤلاء الناس الذين كانوا يردونك طيلة أيام السنة والذين كانوا يحرثون الأرض في السهل الساحلي ويزرعون القمح والبطيخ والسمسم والذرة البيضاء ويردون ماءك النمير في أثناء عودتهم، ويحصدون القمح والشعير والكرسنّة والحمص ويردون ماءك الزلال ليشربوا ويتبردوا ويغسلوا وجوههم السمر وسواعدهم القويّة، ويقطفون الذرة ويجمعون السمسم ويردون ماءك العذب ويسقون أبقارهم وأغنامهم وماعزهم وجمالهم وخيولهم وحميرهم من رانات الماء التي تحيط بك.
هل صادروا ذاكرتك مثل ما صادروا أرضنا وزيتوننا وتيننا ولوزنا ورماننا وصبّارنا وبيوتنا وقمحنا وخبزنا وزيتنا وزعترنا وكتبنا ودفاترنا ومصاحفنا وأناجيلنا وروايتنا؟
أعرف يا بير أنّ الأمر صعب وعسير فمحال أن تنسى هؤلاء الشبان والرجال عبد الحفيظ وابراهيم وعبد الكريم وشحادة وعبد الفتاح وعوض وعبد القادر وفيّاض ومطلق وصالح فبينك وبينهم عيش وملح وحكايا وطرائف وروايات وقصص بطولة ورجولة وحب.
كيف تنسى يا بير الصفا الصبايا العائدات من الحقول ذوات العيون السود والخدود المحمرّة والأجساد الرشيقة وهنّ يردن الماء ثم يغرفنه براحاتهنّ ويغسلن وجوههنّ وأعناقهنّ ويتراشقن به ويضحكن وتظهر أسنانهنّ البيض؟
كيف تنسى يا بير الصفا حليمة وليلى وسلمى وخولة وفاطمة اللاتي غنّى لهنّ الحداة والشعراء والرعاة والبلابل؟
سرقوا ماءك،ماءنا، يا بير الصفا ويرغبون بأن يمحوا ذاكرتنا.
هل يستطيع قانون أو دبابة أو طائرة أو صاروخ أن يصادر ذاكرة شعب أو أن يمحو ذاكرتك يا بير؟
هذا ما يتمناه الحراميّ والعتمة لا تأتي على قدر يده الطويلة.
صباحك فل يا بير يا بير يا بير!
